أيمن موسى يكتب وعد الحلقة الرابعة


 

وعد 4

ــــــــــــــ
كانت والدة وعد تنظر ليوسف
بود وحب ينبعان من الإرتياح لملامحه الهادئة رغم أنها ومن المفترض أنها تراه للمرة الأولى .
وما هى إلا لحظات حتى جاء الطبيب المعالج ليقيس الضغط ويجري بعض الفحوصات والتي عادة ما يتم إجراؤها قبل العمليات الدقيقة.
تقدم ناحية والدة رغد طالبا منهم التواجد بالخارج لحين إنتهاء عمله بمساعدة الممرضة.
خرج الإثنان وجلسا بمقعدين تواجدا بالقرب من غرفة والدتها ،
نظرت وعد بإتجاه يوسف بطرفي عينيها بخجل قد بدا على ملامحها الرقيقة .
ربما تكون هذه هى المرة الأولى التي يتاح فيها لوعد أن تتبين ملامح يوسف عن قرب وبوضوح .
شاب قمحي اللون وسيم الملامح قوى البنية ملامح وجهه مريحة لمن ينظر إليه حتى أنه يشعرك بالإطمئنان ومن الوهلة الأولى .
لم يخرجها من صمتها وتأملاتها لملامحه سوى صوت يوسف عندما بادرها متسائلًا بقوله هل ما زلت بالدراسة؟ أراد يوسف من خلال سؤاله كسر حاجز الصمت وإذابة الجليد فيما بينهما وقد نجح بذلك فقد أجابته وعد بإبتسامة عذبة أتبعتها بقولها نعم فأنا بالسنة النهائية بكلية الهندسة أردفت تقول دون توقف وأنت ؟
يوسف أنهيت دراستي منذ خمس سنوات بكلية الحقوق.
وعد هل تعلم أنها الكلية التي حاول أبي كثيرًا إقناعي لإرتيادها حتى أكمل مشواره بطريق العدالة كما يحلو له أن يصف مهنة المحاماة .
إستطردت قائلة بتساؤل وهل تعمل بالمحاماة ولديك مكتب؟
تنهد يوسف وهو يقول متلعثمًا في الواقع أنا لم أمارس المهنة ولم أعمل بها للأن نظرًا لبعض الظروف الخاصة المحيطة بي.
وعد ولماذا لا تعمل بالمحاماة يمكنك أن تحقق ذاتك بها ومن خلالها أم أنك لا ترغبها كمهنة لك؟
يوسف بيأس وإحباط وهو يتمتم بكلمات مبهمة لم تتبين منها وعد سوى كلماته الأخيرة وهو يقول لا تشغلى بالك بي فما قدره الله لي سيكون .
وعد بخجل وهى تعتذر لم أقصد التدخل بخصوصياتك معذرة ،
يوسف وهو يبادلها إبتسامة خجوله حاول من خلالها تجاوز هذا الحوار لا أبدًا أبدًا لم يحدث شئ يستدعي الإعتذار.
نهضت وعد وهى تقول بود أنها ذاهبة لتحضر لهما كوبين من القهوة ربما يذهبا بعض الصداع وكواجب للضيافة.
ما أن وقفت وعد على قدميها حتى شعرت بالدوار وضعف يعتريها على حين غرة مع تشوش بالرؤية جعلها تتسمر بالارض قبل أن تضع يدها على جبهتها للحظات قبل أن تميد الأرض بها وتقع على الأرض فاقدة للوعى .
لثواني وقف يوسف لا يدري ماذا يفعل وكيف يتصرف فقد تفاجأ بما حدث عندما ارتطم جسدها بالأرض قبل أن يصرخ مناديًا للأطباء ليحضروا المساعدة ويقوموا بإسعافها.
تجمع الأطباء حول وعد وبسرعة تم نقلها لغرفة الفحص لإجراء الكشف الطبي عليها لمعرفة سبب فقدانها لوعيها .
تم إسعافها سريعًا وإفاقتها وما أن عادت لوعيها حتى طلبت من الجميع ألا يخبروا والدتها بذلك وعللت ما حدث لها بأنه كان يوم طويل عانت فيه التعب والإرهاق كما أنها لم تتناول أى شئ طوال اليوم سوى القهوة.
طلب الطبيب إجراء بعض الأشعة والتحاليل وأخبرها أن ذلك شئ روتييينى للإطمئنان على صحتها فقط لا غير .
طلبت وعد من الممرضة أن
تستدعي يوسف وما أن دخل حتى إبتسمت معتذرة له مما حدث وأنها أثقلت عليه وسببت له الكثير من القلق والتوتر وضياع الوقت وتأخره عن أعماله.
رد يوسف وقد بدا عليه الإرتياح لعودة الوعي إليها لا تهتمي بذلك أو تشغلي بالك فلم يفوتنى أي شئ هام وكما أخبرتك فالوقت هو أكثر ما أملكه بهذا العالم فلا تقلقي من هذه الناحية .
وعد حقيقة ما زلت عاجزة عن شكرك فأنت إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معان .
يوسف بخجل وقد أخجله ثناءها ومديحها له فأراد أن يغير الموضوع ليسألها بتردد
أليس لك أقارب أو أخوة؟
وأين والدك فأنا لم أراه بعد ؟
نظرت وعد نحوه بتردد قبل أن تجيبه بهدوء قائلة أبي محامي كبير وقد كان يعمل بسلك القضاء قبل أن يستقيل ويعمل بالمحاماة ليصبح أحد الأسماء اللامعة بمهنته وهو الأن يحاضر بمؤتمر دولى للمحامين العرب بالجزائر .
إستطردت قائلة ولم نرد أن نقلقه بمرض أمى حتى لا يقطع المؤتمر ويعود فهو لا يحتمل أن يصيبها أي مكروه وقد كانت هذه رغبة أمي حتى لا ينشغل بها أثناء هذا المؤتمر الهام .
يوسف وهل سيطول غيابه بالمؤتمر؟
وعد سيعود قريبًا وخلال أيام قليلة بإذن الله سيكون بيننا.
أما أقاربنا فهناك قطيعة بينهم وبين أبي بسبب زواجه من والدتى كونها وكما يقولون من الطبقة المتوسطة بينما والدي من أسرة راقية لها نفوذ وسطوة منذ الملكية حيث كان جدي لأبي أحد أقطاب مجلس الامة .
أشاحت بوجهها بعيدًا وقد شردت ربما لتستعيد ما روته لها والدتها وهى تقول بسعادة ولكنه الحب والذي جمع بينهما كان أقوى من كل الصعاب والتقاليد العقيمة .
سرح يوسف بخياله متسائلًا
هل هناك حقًا من يستطيع أن يدافع عن حبه ؟
هل مازال هناك من يواجه ويتحدى الصعاب من أجل الوصول لأحلامه وتحقيق قناعاته ؟
لم يفيق من هذه التساؤلات إلا على صوت وعد وهى تسأله للمرة الثانية أين ذهبت !؟
بإبتسامة خفيفة وقد استعاد وعيه رد قائلًا يبدو لى أن والدك رجل عظيم حقًا .
بفخر وحب أجابته وعد بفخر بل هو أعظم رجل بالعالم فهو أبي وأخى وصديقى وحبيبي ويمثل لي كل شئ جميل بعالمي .
يوسف بصوت هادئ حفظه الله أينما كان ورده إليكما بخير أردف قائلًا بحب لا شك هو يستحق ذلك الحب وأكثر.
كم ود يوسف لو يطول هذا الحديث بينهم فلا ينتهي أبدًا ولكن وكما يقولون فليس كل ما يتمناه المرؤ يدركه .
تم إستدعاء يوسف من خلال الممرضة لإجراء بعض الفحوصات والتحاليل وأخذ عينات من دمه لضمان خلوه من الأمراض المزمنة أو المعدية كذلك للتأكد من عدم تضرره أو إصابته بالأنيميا.
كذلك ذهبت وعد لإجراء الأشعة والتحاليل اللازمة للوقوف على أسباب فقدانها للوعي .
بعد أقل من ساعة ظهرت عينات يوسف وقد كان دمه نفس فصيلة المريضة وقد أثبتت التحاليل خلوه من الأمراض والفيروسات المعدية ليقوم الطبيب بسحب الدم اللازم لإجراء العملية.
دخلت والدة وعد غرفة العمليات
لإجراء الجراحة لتخرج بعد ثلاث ساعات تقريبًا إلى غرفة العناية الفائقة لمتابعتها خلال 24 ساعة .
أثناء وجود يوسف بالردهة المؤدية لغرفة الأطباء نما إلى سمعه حديثهم وهم يضعون الأشعة الخاصة بوعد على الجهاز وقد فهم من حديثهم أن وضعها ليس على ما يرام فقد كانت الأشعة تؤكد حسب حديثهم وجود تلف وضمور حاد بإحدى كليتيها وكسل بالكلية الثانية يجعلها تعمل بأقل من نصف كفائتها وإن إستمر الحال هكذا فسيؤدي هذا بها لا محالة إلى فشل كلوى يجعلها تكمل حياتها من خلال الغسيل الكلوي كما تطرق حديثهم إلى وجوب زراعة كلى لها حتى لا تكون مضطرة للغسيل ما بقي من عمرها وهى ما زالت ببداية حياتها وكم سيكون هذا أمر شاق عليها وقاسي .
كم شعر يوسف بالحزن والأسى والألم من أجلها وشعر بالوجع يعتصر قلبه من أجلها .
تذكر ملامحها الرقيقة وإبتسامتها الساحرة وتلك البراءة التي تسكن بعينيها .
لأول مرة يتسائل يوسف بينه ونفسه هل هو معجب بها ؟
هل أحبها حقا؟
وهل يعقل هذا ؟
نفض هذا الخاطر عن رأسه فأخر ما ينقصه هو بناء قصور من الرمال على شاطئ البحر لتأتي الأمواج فتهدم ما بناه .
فأين هو منها بالتأكيد هى محط أنظار الجميع وربما حتى أنها معجبة بأحدهم أو حتى ربما تكون مرتبطة .
دمعت عيناه وهو يفكر كيف أن الإنسان لا يحصل على كل شئ بالحياة وأن لكل إنسان مهما بدا سعيدًا همومه الخاصة .
البعض منا لا يرى سوى القشور الخارجية دون أن يتطرق للتفاصيل .
لا يدري كيف ومتى قادته قدماه ليجد نفسه بخطوات لا إرادية منه يتوجه إلى غرفة الأطباء ليطلب الإذن بالدخول ويعرف عن نفسه .
وبدون أن يعطى أى مجال للأطباء للتساؤلات عرض عليهم أن يتبرع بإحدى كليتيه لوعد .
لحظات قليلة مرت تبادل فيها الأطباء النظرات فيما بينهم قبل أن يتحدث أحدهم قائلًا
بلا شك هذا عمل إنسانى نبيل ولكن أيضًا عليك أن تدرك أنه له مخاطره وقبل أن تتخذ أي قرار قد تندم عليه مستقبلًا عليك أن تدرك هذا حقًا لتفكر مجددًا .
إستدرك الطبيب قائلاً سيكون عليك ان تقضي بقية عمرك بكلية واحدة فإن أصابها العطب قد….
لم يدعه يوسف يكمل عبارته ليرد بحسم نعم أعلم كل ذلك وأنا موافق ومستعد لهذا وعلى مسئوليتى الخاصة وسأوقع على الاوراق اللازمة لإخلاء مسئوليتكما ومسئولية المشفى .
رد الطبيب الأخر إذن سنأخذ العينات اللازمة ونجري بعض الفحوصات لنتأكد من تطابق الانسجة وإمكانية تقبل جسدها لكليتك من عدمه .
يوسف حسنًا ولكن لى شرط واحد أو لنقل أنه رجاء .
الطبيب وما هو ؟
يوسف لا أريد أن تعرف وعد أننى المتبرع على الأقل حتى يتم إجراء العملية وخروجها معافاة ،
الطبيب لك هذا ما دامت هذه رغبتك ولكننا فقط سنخبر والدتها لتوقع على الأوراق بموافقتها على إجراء العملية .
غادر يوسف المشفى محملًا بالكثير من الأسئلة والحيرة وعلامات الإستفهام .
ترى أى قدر ذلك الذي وضع هذه الفتاة بطريقه وما سر إهتمامه بها وذلك الشعور الذي يحاول الفكاك منه دون فائدة .
عندما كان يحلم بفتاة أحلامه ويبحث عنها لم يدر بخلده لثانية واحدة أن تكون فتاة ثرية ومن طبقه غير طبقته .
كان يحلم بها فتاة حالمة مثله يبدأن معًا مشوار الحياة ويخطوان سويًا نحو حلمهما حتى يتحقق مهما طال بهما الزمن .
تسائل بدهشة مبتسمًا بسخرية كيف تحول طريقه من باحث عن هجرة غير شرعية وعمل لا يدري عنه شئ بل ربما يكون بعيدًا كل البعد أخلاقياته ومبادئه التى يؤمن بها إلى منقذ لأشخاص لا يعرفهم ولا يعرفونه فكيف تغير المسار ؟
القدر فقط هو ما جمع بين طريقان متوازيان كان مقدرًا لهما مسبقًا ألا يلتقيان أبدًا فتلاقيا .
تسائل يوسف عن ذلك الصراع بداخله وكيف أنه بهذه اللحظات لا يكاد يعرف نفسه ولا يدري من هو !؟
تشابهت عليه الطرق وأختلطت الأوراق عليه وأصبح مشوش الفكر مضطرب المشاعر .
هل هو شرير يحمل بذرة الشر بداخله والتى نمت منذ بدء الخليقة مع قابيل أم أنه يحمل بذرة الخير بداخله ولكنها تحتاج الى التربة الصالحة لتنمو وتؤتي ثمارها؟
من يتحكم بهذا هل هى الظروف التي تصنع اللص والمرتشي والإرهابي أم أن الاخلاقيات والمبادئ والدين يمثلون رادع وخط أخير للرجعة ؟
هل إستسلامه لليأس وحقده على المجتمع بسبب فساده وظلمه سيجعله إنسان بلا ضمير أم أن الأمل والمبادئ سيصنعان الفارق ليعود للطريق الصحيح وجادة الصواب ؟
بالصباح الباكر ذهب يوسف إلى المشفى لإجراء الفحوصات اللازمة والتي حددها الأطباء مسبقًا والتقاها .
إلتقى وعد بوجهها الملائكي وإبتسامتها الطفولية البريئة ،
رحبت به بحفاوة وسعادة بالغة لتخبره أن والدتها تجاوزت مرحلة الخطر وأنها ستكون بخير وأن والدها سيحضر خلال أيام ويود أن يشكره بنفسه .
عبر يوسف عن سعادته وارتياحه لتلك الأخبار الطيبة من ثم وجه حديثه لوعد وهو يتأملها بحنو قائلًا بود بأنه لم يفعل سوى الواجب وأن أي شخص مكانه كان سيفعل ما فعله وأكثر .
بنظرة خجولة وهى تشيح بعينيها بعيدًا عن عينيه لتتوجه نحو النافذة وفي صوت خفيض يكاد لا يغادر حنجرتها قالت متسائلة في همس هل أنت…… .

يتبع

أيمن موسى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.