حنان العسيلي تكتب البنت المقدسية


 

حنان العسيلي تكتب  البنت المقدسية

 

كانت تعشق الكتب والروايات وبخاصةٍ الكتب القديمة،كثيرًا ما كانت تبحث عن الكتب القديمة التي تحمل أسرارًا وحكايات عن أزمانٍ ولََت وانتهت ،فتلك الكتب لا تطوي أحاديثًا وأقاصيصًا بين سطورها فحسب!
بل في رائحتها العتيقة..في صفحاتها المُتهالكة..وفي أغلفتها التي التي تزداد جمالًا بذبولها.

وجَدَت قصةً يبدو أنها جذبتها،اشترتها،ثم ذهبت لمنزلها ،وحين أتى الليل استسلمت لنومٍ عميقٍ.
جاءتها في المنامِ تُرتب كتفيها،استفاقت فزعةً لتسألها:
من أنتِ،وكيف أتيتِ إلى هنا؟
ردت عليها طفلةً،تبلغ من العمر حوالي عشرةَ أعوامٍ:
أنا “البنت المقدسية”.
نهضت قليلًا فوق سريرها..ثم فتحت عيناها أكثر فأكثر،وأزاحت بعض خصلات شعرها المسترسلة أمام وجهها لتتأمل الطفلة،كانت الفتاةُ عذبةً بريئةً ،تحملُ عيناها الكثير من الأسى رغم صغر سنها،كانت نظراتها أشبه بفتيات الكرتون.

سألتها مرة أخرى:
وماذا تريدين يا طفلتي الحبيبة؟
أجابتها الطفلة:
أود أن أحكي لكِ حكاية القصة الجديدة التي جلبتيها اليوم من متجر الكتب القديمة.
-إذًا..فلتحكي.
-ألم تلاحظي شكل الغلاف من الداخل؟
-لاحظت..يبدو متهالكًا ..أصفر اللون.
-إنه محروقًا،تلك القصة تُخفي حكايةً أليمةً،أكثر ألمًا من الحكاية التي ترويها القصة.
ترد عليها في لهفةٍ:
احكي لي..ما الحكاية يا تُرى؟
-إن تلك القصة كانت من ضمن كتبي في مكتبتي الحبيبة في منزلي في القدس،لكم عشت معها أجمل الحكايات!
لكم كانت هي صديقتي القريبة ومؤنستي الثانية بعد جدى الذي لم يبقْ لي سواه في الدنيا بعد رحيل أهلي كلهم في القصفِ والغاراتِ التي لا يهدأْ للصهاينة بالًا سوى بعد أن يُفقدنا في كلِّ يومٍ عزيزًا،ويتركنا نعاني حسرةَ الفراقِ وآلام الوحدةِ.
ألم تنتبهي إلى أن صفحات القصة بها بعض الصفحات المحروقة من الأطراف؟
ألم تحكي لكِ قصة استشهادي وصعودي للسماءِ أنا وجدي ،وصديقتي الثانية في يومٍ دامعٍ حزينٍ كتلك الأيامِ التي نحيا بها وتحيا بنا منذ ميلادنا في وطننا الحبيب فلسطين.
لم يجذب انتباهك لون الدماءِ الذي اختلط بالنارِ؟ ليحكي قصة عذابي في لحظاتي الأخيرة في الحياة؟
على أيةَ حالٍ لابأس إذًا..فأنا اليوم في مكانٍ أجمل من هذا ،أنقى وأبقى من عالمنا المُزيف..
ثم أشارت لها:
وداعًا صديقتي.
-صرخت فزعةً تنادي عليها :
البنت المقدسية..لا تتركيني..انتظري..كنت أود أن أُخبرك…..
ثم استيقظت من النومِ تُفتش حولها،فلم تجد أثرًا للبنت المقدسية ،هرولت نحو الكتب الجديدة التي جلبتها في ذلك اليومِ من متجر الكتب ،تناولت قصةبعنوان”البنت المقدسية”..فتحتها..أخذت تتصفحها..لتجد بالفعلِ بعض صفحاتها محروقةً من الأطرافِ..ارتعشت يداها،حضنت القصة واستسلمت لسيمفونيةٍ طويلة من الدموع،ثم قالت:
كنت أودُّ أن أخبرك..بأنني قد حلمتُ بهذا كلُّه يومًا ما!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.