داليا رأفت تكتب أحلام


 

درجة حرارة تكاد تحرق الأشياء، وهواء لزج مشبع ببخار الماء، لا يرغمه على التحرك سوى الأيدي التي تنتقل في كسل يمينا ويسارا محاولة تغيير وضعه الراكد. أما المروحة المثبتة على أحد الجدران فتبدو كمن يقاوم الموت، تدور بوهن، فلا تقدر على زحزحة السحب اللزجة المطبقة على وجوه الطلبة والطالبات المتكدسون في قاعة المحاضرات.

يدخل الأستاذ مترددا، يتذكر الشهور التي قضاها في الولايات الأمريكية، تهاجمه كتلة من الهواء الساخن، تصدمه بواقعه، تُنزله من الطائرة؛ ليدرس بإحدى الجامعات الإقليمية.

متراصة الصفوف الخشبية، لا تبدو منها سوى رؤوس، لا تعني شيئا لبعضها، ولا للأستاذ، ولا لتخصصها نفسه.

في الصف الثاني نظر حاتم تجاه مروة؛ لها طريقة تدهشه في مناضلة قطرات العرق … أخبرته أمه؛ أنها تريد له زوجة ذات عائلة بسيطة ؛ حتى تقوم بأعمال المنزل بدلا منها.
وضع يده على جبهته، متطلعا إلى انهماكِ مروة في تحريك دفترها للحصول على حفنة هواء، يعرف أنها ابنة رجل مهم، لا يعلم بدقة وظيفته، لكن ملابسها الفخمة، وزينتها الغالية تنبئه بذلك. أشاح برأسه، تناول دفتره وأنشأ يحركه بعصبية.

في الجهة الأخرى جلس حسام، أدار عنقه نحو مروة، لاحظ أن لون إحدى خصلاتها تغير، سرح في اللون الجديد، تمنى أمنية يعلم أن من المستحيل تحقيقها؛ أن يتقدم تجاهها خطوة، لكن هل سيوافق والده؟ إن أسرته بقيادة أبيه لها قوانين وضعها الأب؛ الذي يمتلك كل شئ؛ ولن يقبل تزويجه قبل إخوته، ولأن ترتيبه الرابع بينهم، فأمامه سبع سنوات عجاف يجب أن يحياها باستسلام، أو الاعتماد على مؤهلاته؛ التي لايثق بها.
جدد ملاحظته لخصلة الشعر ثم أعاد عينيه مكانهما في إذعان، تناول دفتره وطفق يحركه بعنف.

مررت مروة أصابعها على خدها وأذنيها؛ تسمع أمها تسألها عن صلاحية أحد الزملاء للزواج منها، ومَن منهم تنطبق عليه شروط الثراء، أو المكانة العائلية، إضافة إلى عدم تكليفهم بجهاز، فرغم أن الأب على رأس منصب رفيع، إلا أن كل مواردهم تُنفق على هيئتهم؛ لينالوا إعجاب الناس.

تدير رأسها تجاه سحر زميلتها؛ ؛ غير متكلفة، إذاتحدثت عن طموحتها تراها سهلة، في متناولها جدا، لا تعيش تلك التعقيدات التي تمقتها هي، بينما تدرك سحر مروة بطرف لحظها … تتمنى نصف حسنها وسمتها، ومعجبيها، تنصهر أمنياتهم داخل رؤوسهم وتسيل مع قطرات العرق على وجوههم، يستحثون بعض النسمات بدفاترهم؛ أملا في انعتاقهم من الرطوبة والأحلام.

أنهى الأستاذ محاضرته بسرعة، شعر بخوف حين رأى تلامذته كلهم يقومون بنفس الحركة وكأنهم مصابون بنوع من الهيستيريا، خرج كأنه يفر من هجوم يزحف لملاقاته.

خرج الطلبة والطالبات بعده في تثاقل من يمشي في الماء، ولا أحد منهم يحاول النظر تجاه الآخر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.