أحمد صلاح فتحي يكتب «مُتلازمات مصرية جدًا»..


أحمد صلاح فتحي يكتب «مُتلازمات مصرية جدًا»..

دائمًا ما تكون كلمة مُتلازمة وصفًا لمرض أو مشكلة نفسية ما، لكني لا أتحدث عن علم النفس، أنا في صدد الحديث عن بعض المتلازمات الإجتماعية التي قد نمت وتغلغلت فينا نحن المصريون.
دعك من تلك الشعارات الرنانة التي تُخبرك بأن المصريين هم أذكى شعوب في العالم، ومُؤسسي الحضارة وأصحاب فضل على العالم والدنيا والناس، وانظر على ما نمى وترعرع من عادات قبيحة، ومتلازمات إجتماعية، وصفات صارت موروثة في هذا العرق المصري.

مُنذ قرون ونحن قومٌ نُحب الجدل، تذْكُر قصة موسى المصري – عليه السلام- وقومه..
أمرهم الله بأن يذبحوا بقرةً ويضربوا قتيلهم ببعض لحمها ليعرفوا من الفاعل، ظلوا يجادلوه في ماهية هذه البقرة..
أيُ بقرةٍ تُريد ! ما لونها؟ فارضٌ أم بِكر؟
ظلوا هكذا مع نبي الله في جدل وخبل حتى شقَّ الله عليهم في المُراد، ولو أنّهم ذبحوا أيَّ بقرةٍ لكانت هي المطلوبة.
هكذا صارت جينات مصرية خالدة. وازاد الأمر سوءاً بعدما سيطرت مواقع التواصل على معظم أوقات الناس، حتى باتت الصغيرة تُناطح الكبيرة في ميدان النقاش والبحث.
قصةٌ لفتاةٍ مثلية مُنتحرة، إشكالات التحرش، وحكايات الإفتراء على الدين ورموزه، العديد من القضايا المُثارة التي كان الجدل عاملاً مشتركاً بها. كُلٌ يفصح بآرائه ونظراته الثاقبة وكأنه قد امتلك الحقيقة الكاملة، أو أنه حظى بوحي حصريٌ له فقط، لا يُريد أن يسمع ويفهم من صاحب التخصص أو أهل الذكر، أو حتى يُعطي نفسه الفرصةَ كيّ يقرأ ويتعلم ويناقش..
حتى صار الرأي العام وصارت أوجهه الحياة بأسرها أشبه بسوقٍ عشوائية كُلٌ يروج فيها لبضاعته !

متلازمة أُخرى مستأصله في عدد كبير من أبناء الشعب هي «الهبد» أو«الفتي ».. هي لا تختلف كثيراً عن صناعةالجدل، بل ربما كان الجدل والخبل هذا من مُشتقات « الهبد» أو أحد أسبابه.

سألت والدي ذات مرة – هو رجلٌ خمسينيّ مثقف بالمناسبة – ماذا ترى في القضية كذا .. ولماذا لا تعطي رأيك كما يفعل الجميع؟
أجابني بهدوءٍ يتشبع بالرزانة والحلم ..
-لدي آراء كثيرة في كل شيء.. في السياسة والرياضة والجنس والحُب والوجودية والعنصرية والدين والنساء والحيتان، وكل ما أعرفه من الزواحف والحشرات والملاعب والأندية والملاهي والمُسكرات والوطن والمحافظات أشياء كثيرة لا تحصى عندي رأي فيها!
لكن لماذا عليّ أن أُفصح برأيي في كل هذه الأشياء، إذا طلب أحدهم رأيي في القضية كذا لو كانت لدي خلفيةٌ كاملة عنها لأجبته طبعاً، أما أن أتحدث كل يوم في موضوع مُثير وأحشر نفسي في كل شيء فهذا لا أرضاه لنفسي ولا أعتقد أن الجميع يرضاه، لأنني أيضا ليس لدي معرفة في كل شيء. كل ما أعرفه هو بنظري بسيط ولا يستحق هذا الكم الهائل من الطرح مثل الذين تجدهم يطرحون كل شيء ويتحدثون في كل شيء !
قطعت حديثه: إذاً وقرائتك هذه؟
-قرائتي لنفسي وللفائدة طبعاً ولكن لكلِ مقامٍ مقال!
ثُم أكمل ..لا أشعر صدقا تجاه هؤلاء إلا بأوصاف السخف، لأنهم ينقادون مع القطيع، أينما ذهب القطيع يذهبون وأينما سكن يسكنون. وهذا لا يعطي إلا انطباعاً سيئًا عن شخصية المرء، فالمرء يجب أن يكون له اتجاهاته الخاصة وآراؤه الخاصة التي يولدها بنفسه ويعمل عليها ولو لم تصل للجميع.
أما أن يكون له في كل حدث ومرتع رأي، فهذا لا ينم إلا عن تخبطاته وفراغه الهش.
نحن شعوبٌ غير مؤهلة للديموقراطية وإبداء الرأي، وأمامنا الكثير كي تترسخ تلك الثقافات بمعناها الحقيقي داخلنا!
أنتَ في مواصلات عامة..
تسمع هذا الرجل يسُب الحكومة وإجرائاتها الاقتصادية الغريبة، ليقطعه ذلك الشاب الصغير مُعلقاً كخبيرٍ إقتصادي قد أفنى حياته في دراسة المال والأعمال ..
– لا المشكلة في إرتفاع أسعار الدولار بالطبع، وفي تلك الديون الداخلية و قرار رفع الدعم، كيف لا تعرف ذلك وأنت في هذا السن المتأخر يا عمي!
تنتقل الدفة إلى حديثٍ في السياسة فتجد الركاب قد تبدلوا إلى خُبراء دوليين في فنون السياسة..
لم يكن يجب على السادات أن يزور إسرائيل، وأن يعقد كامب ديفيد .. وبالطبع يرجع سبب ما يحدث في العالم إلى هتلر وأفكاره الحمقاء. ويرجع سبب انتشار التحرش وانقراض الديناصورات وحُروب التتار إلى لباس المرأة في الشوارع ..
المزيد من النظريات والآراء المطروحة التي تتشبع بالسذاجة تحت غطاء ما يُسمى حرية إبداء الرأي.. هكذا نحنٌ ولن نتغير .
والمشكلة الأكبر في أنك لا تستطيع أن تُسكت أحدًا أوتغلق فمه. قد يظن فيك التخلف والرجعية، فهو عارفٌ متفتحٌ يؤمن بحرية الرأي، نعم نحن مع حرية الرأي لكن لا أؤمن بحرية التعبير عنه! ما أستطيع قوله هو أهمية أن نقرأ ونتعلم.
بعيدًا عن الجدل والعصبية ومُصَادرة أراء الآخرين ومنطق إحتكار الحقيقة. أما أولئك الفارغين، الذين يشعرون بالخواء بعد كل موضوع يتحدثون فيه ويبدأون التفكير والعمل على موضوع آخر، فأتمنى أن يسلكوا بجدية مسلكاً يجعلهم عارفين بحق .

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.