أيمن موسى يكتب المجموعة القصصية رقم 13(الجدار)


 

المجموعة القصصية رقم 13
ــــــــــــ الجدار ـــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــ
هل عاش أحدكم يومًا ذلك الإحساس بفقدان الهوية
فلا ماض أو حاضر أو مستقبل
هو ليس شعور مؤقت أو وصف حال لمرحلة زمنية.
فجأة وبدون سابق إنذار وجد نفسه بهذا المكان وكأنه قد وجد من العدم .
هو لا يتذكر أي شئ على الإطلاق
فلا شئ يذكره بماضيه فهو وببساطة شديدة ليس إلا صفحة بيضاء أو بمعنى أرض بكر لم تطأها أقدام البشر .
ليس لديه رؤية للمستقبل .
لا شئ محدد بعقله أو بتفكيره هو حتى لا يملك له إسمًا .
شعور مرعب أن تكون هكذا فكيف لإنسان أن يظل هكذا مجرد لا شئ نعم هو لا شئ .
إنه نكرة لا يحمل حتى مجرد إسم يجعله معرفًا .
غالبًا ما نفتقد مالا نملكه فيزداد تعلقنا به ولا نكف عن التفكير فيه مطلقًا .
والحرية ليست رفاهية يمكننا الإستغناء عنها أو من الكماليات التي يمكننا التعايش بدونها فالحرية كانت وستظل من أساسيات الحياة بل ربما تكون هى الحياة فإن فقدناها فقدنا لذة الحياة ورونقها .
حاول جاهدًا أن يتبين معالم المكان الذي ينتمي إليه ربما يذكره بشئ أو يقوده لخيط يصل به لبر الأمان فهو يبحث عن شعاع من ضوء ينير له الطريق
فإن كان لا يتذكر ماضيه أو يملك مستقبله فالحاضر الذي يعيشه الأن هو فقط مصدر وجوده
حاول جاهدًا رؤية ما يحيط به بصعوبة بالغة فالظلام دامس وكل ما يحيط به حالك السواد حتى ذلك المكان المحتجز به ضيق نسبيًا ولا يتيح له حرية الحركة إلا بصعوبة بالغة .
لا يشعر بالحرية المطلقة فى حركته مما جعله يشعر بالقلق والتوتر .
هنا فقط أدرك الحقيقة المؤلمة وهى أنه مقيد نعم هو مقيد بحبل لا يستطيع التخلص أو الفكاك منه .
أصبح الشعور بالخوف هو ما يسيطر عليه ليتزايد كلما مر الوقت .
كثيرة هى الأسئلة والتي أصبحت تجول بخاطره وتحاصر تفكيره .
ترى لماذا هو مقيد ؟ ومن ذلك الذي قيده ؟ ولماذا ؟!
حاول أن يفتح عينيه ببطء شديد ليتبين معالم المكان ولكنه فشل فشلًا ذريعًا ولم يدري هل المشكلة بعينيه أم بالظلام الذي يحيط به من كل جانب .
حاول بكل ما أوتي من قوة أن يدفع جسده بأي إتجاه ولكنه أيضًا فشل بذلك ليجد نفسه بالنهاية يغوص ويتكور فيرتفع وينخفض ويصتدم بجدار رخو يحيط به من كل جميع الإتجاهات .
إستخدم قدميه بكل قوة فربما يتحسس أي شئ من حوله وبالفعل فقد أحس بلزوجة غريبة لامست أصابع أقدامه الحافية لتصيبه بقشعريرة مخيفة.
شعر بالتعب قد نال منه بعدما بذله من جهد مع شعوره العارم بالإحباط واليأس ليستسلم في نهاية الأمر للنوم كملاذ آمن وهروب مؤقت .
لا يدري كم من الوقت قد مر عليه فهو وحيث يتواجد لا يشعر بالوقت ولا حساب عنده للزمن .
قرر أن يستخدم حاسة السمع فربما تقوده لشئ يوضح له حقيقة وضعه الراهن المخيف .
ظل صامتًا وهو ينصت بتركيز كبير وبعد جهد وعدة محاولات مضنية إستطاع أن يميز بعض الأصوات والتي تأتي من خلف ذلك الجدار المحتجز خلفه .
هناك صوت يتكرر كثيرًا يشعر وكأنه قد سمعه من قبل ليميزه عن بقية الأصوات .
هناك أيضًا أصوات أخرى تتغير تباعًا ولكنه لا يستطيع تمييزها أبدًا أو يتعرف عليها .
تبا لهذا الجدار وألف تبًا فهذا الجدار هو ما يحرمه من الحرية وهو ما يجعله مقيدًا وغير قادر على الحركة وهو ما يجعله أسيرًا بمكانه .
آه لو يستطيع قطع هذا الحبل ومغادرة الجدار ورؤية النور ولو لمرة واحدة من ثم العودة مرة إن إستدعى الأمر ذلك .
أثناء تفكيره المستمر ومحاولاته المضنية لفهم ما يدور حوله تعجب لأمر هام لم ينتبه له من قبل وهو أن طعامه يأتيه بإنتظام ودون حتى أن يطلبه كذلك شرابه يتوفر كلما احتاج إليه .
نعم هو لا يرى أو يعرف من يقدمه له ولكنه يأكل ويشرب بإنتظام .
تسائل في ألم هل يمكن أن تستمر الحياة هكذا فقط بالطعام والشراب ؟
هل يمكننا أن نقايض الحرية ببعض أساسيات الحياة الأخرى إن توفرت ؟
ماذا لو إمتنع عن تناول طعامه وشرابه هل سيعجل هذا بخلاصه وحصوله على حريتة ؟
ربما نعم وربما لا .
بالنهاية وبعد أن تملك منه اليأس والغضب إستسلم لوضعه الراهن حتى أنه لم يعد يحاول المقاومة أو حتى مجرد التفكير بالخلاص والتحرر .
لم يعد يشغل تفكيره الأن بوضعه أو لماذا أو كيف أو حتى متى ينجو من مصيره المجهول .
ربما قد تعود على حياته الجديدة ربما تعود حتى على ذلك الظلام وتلك العتمة المغلفة بالهدوء .
حتى ذلك الحبل لم يعد يحاول التخلص منه بل والأدهى من ذلك أنه اعتبره جزء منه ينتمي إليه .
وهنا طرأ على ذهنة سؤال مهم وهو هل الإعتياد على الشئ يجعله نمط حياة ؟
هل يصبح الإنسان أكثر إنقيادًا وتبعية مع كثرة الضغوط المحيطة به ؟
تبادر ذلك إلى ذهنه عندما أصبح يشعر أنه قد إعتاد وتأقلم على وضعه وما كان يضايقه من قبل قد أصبح الأن شيئًا روتينيًا يتعايش معه وبه .
حتى ذلك الجدار قد أصبح متكأ له ولم يعد يراه كالسابق جدارًا عازلًا للحرية .
فقط ما أصبح يزعجه حقًا ويثير حنقه وغضبه تلك الأصوات القادمة من خلف الجدار فقد أصبحت أقوى وأكثر وضوحًا عن ذي قبل كما أن ذلك الصوت المميز أصبح مألوفًا له جدًا يرتاح له ويمثل عالمه الخارجي .
ذات يوم شعر بحركة كبيرة من حوله وارتجاج ضخم مع ضجج صاخب لم يختبره من قبل كان الأمر يشبه وكأنما الزلزال فعلى حين غرة وجد نفسه يعلو ويهبط لتصتدم رأسه بالجدار .
كان الأمر مفاجئ وسريع ربما لم يتجاوز عدة ثواني ولكنها كانت كافية ليشعر بذلك الحبل يلتف عليه من كل جانب ليطوق رقبته وعنقه ويضغط عليهما بشدة .
هو الأن يشعر بالإختناق الشديد
أنفاسه تكاد تختفى يعتريه الدوار مع إحساسه بفقدانه للوعي .
حاول الصراخ بلا جدوى فصوته لا يغادره أبدًا .
ولكن مهلًا ما هذا الصوت الذي يسمعه الأن ؟
أحدهم يشاركه البكاء والالم !
عندما أنصت وجده نفس الصوت المألوف له يبكي ويئن بلا توقف !
مد يديه وقدميه محاولًا التخلص من الحبل الذي إلتف بإحكام وقسوة حول رقبته ولكن دون جدوى فالأمر أكبر منه وقوته ليست كافية لتخليصه .
هنا أدرك أن نهايته قد أصبحت محتومة .
إستسلم لمصيره وفي يأس تام
أغلق عينيه على الظلام بعد أن شعر بالخدر يسري بكامل جسده وهو يفقد وعيه تدريجيًا .
يقولون أن الإنسان بلحظاته الأخيرة يستعيد حياته كلها دفعة واحدة كشريط سينمائي ولكن ولدهشته الشديدة لم يحدث هذا معه مطلقًٍا فهو لا يملك أي ماضي أو حتى ذكريات عابرة .
أثناء غيابه عن الوعى ولأول مرة منذ بدأ الأمر معه يشعر وكأن هناك نافذة يتم فنحها بالجدار .
شعاع من ضوء قد إخترق الجدار ومن تلك النافذة والتي بدت بعيدة بالنسبة له ومن خلال رؤية مشوشة وكأنها أيادي ممتدة تحاول جاهدة تخليصه من ذلك الحبل وإخراجه من خلف ذلك الجدار ليتحرر من آسره .
بدأ الأن يستعيد أنفاسه تدريجيًا
وكأنه يعود من سبات عميق ليجد نفسه محمولًا بين الأيادى
التى أخرجته من خلف ذلك الجدار وقد خلصته من الحبل بقطعه .
نظر الى الوجوه بخوف وبدهشة بالغة الجميع يبتسمون وهم يوجهون كلماتهم الى تلك السيدة المسجاة على طرف الفراش وهى تئن بنفس الصوت الذي كان يسمعه من خلف الجدار .
سمع أحدهم يقول لقد نجى بمعجزة ليستطرد قائلًا بحزن كاد الحبل يخنقه ليمنع وصول الأكسجين إلى رأسه .
وقوعك من الدرج عجل بخروجه إلى الدنيا ولكنه والحمد لله بصحة جيدة .
الأن فقط أدرك المأساة فلقد خرج من خلف ذلك الجدار حيث الأمان والراحة وحيث الحرية الحقيقية
وانضم لقافلة المختارين من البشر الذين وقع عليهم الإختيار لخوض ذلك الإختبار الأزلي .
ومع تلك التهاني وتلك الوجوه ومع تلك الحقيقة المؤلمة والتى أدركها للتو لم يجد شيئًا يعبر به عن خوفه ورعبه من ذلك الإختبار
سوى البكاء والصراخ وبكل ما أؤتي من قوة…

تمت

أيمن موسى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.