أحمد زكي الحسيني يكتب العجوز وحلوى السكر


العجوز وحلوى السكر

سيدة مسنة تقرقع بعكازها الأرض فتبسبب بعض الإزعاج لرواد المكتبة، تذهب نحو رف الروايات الرومانسية، تتفحص بعينها من خلف النظارات وتنتقي واحدة، تدفع الثمن، فينظر لها أمين المكتبة ويبتسم، فتدخل يدها في حقيبتها وتعطيه بعض مكعبات السكر وترحل.
لا تذهب إلى البيت، تستقل سيارة أجرة وتذهب إلى الحديقة العامة، تنتقي أريكة خشبية في أحد الزوايا التي تعرفها جيدا حيث توجد شجرة سرو عتيقة. تجلس تحت الشجرة وتتصفح الرواية المنتقاة بعناية “روميو وجوليت”. يمر الوقت ولا تمطر السماء فتنزع عنها معطفها فتقفز قطة أصابها البرد لتدفيء نفسها بفروه، فلا تبعدها، تعلم كيف يشعر كائن ما بالبرد!
يمر أمامها عامل نظافة قارب على سن التقاعد يرتدي بذة صفراء فيرى قطته التي يقوم بالاعتناء بها تجلس على معطف السيدة التي لم ينقص تقدمها في العمر من حسنها شيئا، يمد يده نحو قطته وهو يقول عذرا سيدتي جوليت على سوء أدب أوفيليا.
تنظر إليه قائلة لا عليك، تمد يدها في الحقيبة وتخرج له بعضا من حلوى السكر، معتذرة إليه لأنها لا تستطيع أن تهديه شيئا سواها. يرحل هو وأوفيليا، ويمر الوقت ببطء على غير عادة نهار الشتاء، ربما كل وقتها يمر كسلحفاة في البرية لا تنتظر شيئا أن يحدث فلا فرق إن كان النهار قصيرا أو طويلا.
هبت رياح خفيفة فارتدت معطفها، بينما كان يمر زوجان يلعب أمامها ابنهما بالكرة التي تدحرجت بفعل الهواء نحو مقعدها حتى استقرت أسفل قدمها والطفل يهرول خلفها وبينما هو كذلك وحينما اقترب من السيدة تعثرت قدماه فسقط. نهضت لتواسيه قبل أن يبكي وضمته إلى صدرها وناولته كرته فشكرها الأبوان ثم تبادلا الابتسامات ورحلا.
كانت تريد أن تعطيه بعض الحلوى، لكنها نفدت، كان نصيب صاحب أوفيليا كثيرا فكانت كمشته وافره ويبدو أن السحاب أصبحت مياهه وافره هو الآخر فبدأ بإلقاء حمولته إلى الأرض، أدخلت روايتها في الحقيبة وأخذت عكازها ورحلت.
السيدة روزان تفعل هذا كل يوم مذ وفاة زوجها السيد حصيف الذي مرت على ذكراه قرابة السنتين، تركها مع الروايات الرومانسية الذي أعتاد أن يشتريها لها مع حلوى السكر ويصطحبها إلى الحديقة العامة كل يوم صباحا ثم يذهب إلى عمله ويعود لها ليرجعا سويا إلى البيت.
آخر ما كتبته السيدة روزان في مذكراتها قبل أن تموت كانت عبارة عن لوم لحصيف الذي تركها وحيدة، وأن الوحدة ليست شيئا جيدا على الإطلاق خاصة إذا كان المرء مسنا، كانت تتمنى لو تقبض أرواح الأزواج المسنين سويا حتى لا يتعذب أحدهما دون الآخر، وتأنب نفسها أيضا كيف أنها أستاطعت أن تحيا دون حبيبها كل هذه الأيام، لكن يبدو أنها واست نفسها بحلم ذكرته عن حصيف الذي جاءها الليلة السابقة لكتابة ورقة مذاكراتها الأخيرة؛ حيث رأت حصيفا يحمل لها روايات كثيرة وحلوى سكر أكثر، ورأت أوفيليا تموء وتمسح جسدها في قدمها وهي سعيدة، وأعطت الطفل الذي تعثر الحلوى هذه المرة فقد كان هناك ما يكفي له بعد أن أعطت لصاحب أوفيليا حلوى حينما اعتذر منها مرة أخرى وسلم على حصيف قائلا هنيئا لك سيد روميو بالسيدة جوليت، ثم أنها لم تكن تمسك عكازا تطرق به الأرض كالعادة، بل حملها زوجها هذه المرة وهو ينظر إليها مبتسما وتبادله هي الابتسام متوجها بها إلى البيت!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.