حسن عبد الهادي يكتب إنسان


 

 

إنســـان….

حسن عبدالهادي

ولدت في أحد أحياء القاهرة الراقية،لست أدري لماذا يربط الناس بين الرقي والغنى،صحيح أنني تعلمت وتثقفت برقي،ولكن ليس كل من تربى تربية راقية غنيًا،وليس كل غني راقيًا،دخلت مدرسة خاصة للغات..علمتني التسامح مع الغير،ومحبته،ولكن حياتي في تلك المدرسة كانت شىء وحياتي التعليمية في الجامعة شىء آخر..
التحقت بجامعة حكومية،صُدمت في السنة الأولى..رأيت مجتمعًا عنصريًا بامتياز،يفرق بين اثنين لأنهما مختلفين دينًا،أرجعت هذا التعصب لرجال وعلماء الدين،لقد تربى الكثيرون على إنكار الآخر،وذلك سببته الجماعات الدينية هنا وهناك،منذ الصغر وهما يفرقان بيننا،أذكر أنني لهوت مع صديق لي عدة مرات قبل أن أجده يختفي من حياتي بغتة،وعندما سألت السبب احتضنتني أمي وقالت لي باكية “أنت أفضل منه..”..ولكنني لم أعرف السبب إلا عندما كبرت،بلد اشتهر بالتسامح في عصور سابقة أضحى متعصبًا،لقد كان رفاقي في الجامعة يهزلون معي ببعض العبارات التي تخالف عقيدتي لأقولها،وهي من صميم عقيدتهم،دون أن يدروا أن هذا يسبب لي ألمًا،يشعرني بأنني قليل في كثير،مذنب دائمًا دون سبب..
لماذا نُدان ويتم التعامل معنا بإقصاء،ولا نأخذ فرصنا في شغل الوظائف القيادية دائمًا،هذا ما قاله لي أحد الأصدقاء في الكنيسة،قبل أن أكتشف أن ما تفعله معنا الأغلبية هو نفس ما نفعله نحن مع الأقلية في كنائيس أخرى،حين نعدهم مارقين،لا يعرفون شيئًا عن صحيح الدين..
“مجدي يعقوب إنسان..نتمنى أن يهديه الله للإسلام”،عبارة اخترقت أذني من أحد الزملاء،الدين نزل من أجل الإنسان..لأنه جوهر الخلق،فلماذا نصر على إهانة المختلفين معنا عقائديًا،أليس الإنسان هو خلق الله الذي اختاره دونًا عن الكائنات الأخرى وميزه بالعقل..لقد خلق كل البشر،بأشكالهم وألوانهم المختلفة،يشبون بإرادته،يشيخون بقدره الذي لا مرد له..كل تفاصيل حياتهم كتاب مفتوح أمامه وحده،إن يشأ يرحمهم أو يعذبهم..فلم لا نشغل أنفسنا سوى بالاختلاف،أليس بيننا قواسم مشتركة أهم من إذكاء الصراعات..
بعد أن تخرجت من كلية الهندسة قسم عمارة هداني تفكيري إلى المشاركة في تصميم أحد المساجد،في البداية لم ينتبه أحد لي،فاسمي واسم أبي يحمل العقيدتين،وقد ساعدني هذا إلى الاستمرار بكل حماسة في أداء عملي،متجاوزًا عن بعض المضايقات التي لم ينتبه إليها البعض وأحدهم يقول “عدد الكنائيس في البلد أصبح يقترب من عدد المساجد”،لم يعرف القائل أننا كنائس مختلفة،عكس المساجد الواحدة وصحيح أن الطوائف قليلة ولكنها تحتاج إلى العبادة أيضًا وهذا حقها..
المهم أنني تابعت وعملت بحماس على تصميم المسجد،وعندما تم وذهب أحد كبار علماء الأزهر لافتتاحه وقفت مبتسمًا مع الواقفين،الكل دخل يستمع إلى الخطبة،إلا أنا وقفت خارجًا،وعندما سألني بعض زملائي عن عدم انضمامي إليهم تعللت بأي حجة إلا أنني أكشف لهم حقيقة ديني،وإن شعرت بداخلي بمرارة كبيرة،وكأنني أتبرأ بما يجب أن أفتخر به..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.