د. طلعت الدردير يكتب : وقفات على درب التفكر


د. طلعت الدردير يكتب :

وقفات على درب التفكر

 

قال تعالى : { يَوْم تَشْهَد عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتهمْ وَأَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }
أتدبر ما تحمله هذه الآية العظيمة من كتاب الله عز وجل، وأجد نفسي أفكر في معاني ومشاعر متشابكة متزاحمة مضطربة، منتهى الغدر وكل معاني الخيانة يجدها العاصي المذنب في مواقف هذه الأعضاء في شهادتها عليه يوم القيامة، غدر من وجهة نظر اليائس البائس وقتها، وخيانة تُفسر على حسب الموقف بأنها خيانة، وما هي بخيانة وما هو بغدر، ولكنها شهادة العدل وإقرار بالذنب، وهي صادرة من الأعضاء التي سعى الإنسان لإرضائها في الحياة بكل السبل، ولم يتأخر، ولو لبرهة، في تلبية ملذاته وملذاتها مستخدمًا إياها، وهي وإن كانت أعضاء مقصودة بعد الآية الخاصة بقذف المحصنات لتوضيح جرم هذه الأعضاء في التدخل بفاعلية في إثبات القذف، إلا أنها رمز لبقية ما يمكن أن يُنطقه الله يوم القيامة ليشهد علينا فيما يتعلق بالذنوب والكبائر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أين ولاء سنوات وسنوات من الصحبة والتكامل؟! فالنفس تعدو إلى المعاصي عدواً والأعضاء تفعل ذلك، وماذا عليها؟! فهي مسيرة أسيرة الشهوة وضحية التعدي اللاأخلاقي لصاحبها، وعلى ذلك فقد بينت حجتها يوم القيامة، والشهود عيان يوم المحاكمة الكبرى، أمام قاضي القضاة، فلا تبجح ولا مماطلة ولا إنكار، قال تعالى : “وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون”. ماذا ينتظرنا بعد ذلك؟! من نُرضي؟! ولماذا نرضيهم؟! وهم أول من تخلى عنك وأقر بذنبك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أليس من الفطنة والذكاء أن تروضهم وأن تحجم شهواتك ورغباتك المخالفة لمنهج الله إرضاءً لله سبحانه وتعالى؟! ولأخذ الحجة على هذه الأعضاء بمسارك الطيب المستقيم؟! حتى لا تأخذ هي عليك الحجة بالاعوجاج وتدركها وقتها متخلية عنك شاهدة عليك مقرة بتجاوزاتك.
تخلَ عنهم أنت قبل أن يتخلوا عنك، وقاوم حتى تنجو، واعلم أن أصدقاء اليوم ربما يكونون أعداء المستقبل، ولا تجعل لغيرك عليك حجة في موقف لا تستطيع فيه الدفاع عن نفسك وإن اجتهدت في ذلك، وكلك أمل في انصاف أصحابك ورفقاء الدرب.
كنت تجادل عنهم، وأنفقت عمرًا تظن أنك تنمي فيهم الولاء، ولكن أنظر وتيقن مسار المحاكمة؛ فعن أنس قال: ضحك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذات يوم حتى بدت نواجذه ، ثم قال: ” ألا تسألوني مم ضحكت ؟ ” قالوا : مم ضحكت يا رسول الله ؟ قال: “عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة! قال: يقول: يا رب أليس وعدتني أن لا تظلمني ؟ قال: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال: أوليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، قال: فيقول لهن: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل”.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.