عُرس ديمُقراطي يكتبه حسن عبدالهادي


عُرس ديمُقراطي

حسن عبدالهادي

تستعد الحافلات المُخصّصة للنقل الجماعي في المرور على بعض القرى البسيطة في إحدى المحافظات مزودة بمواد غذائية في حقائب من “الكرتون” وقد كُتب عليها اسم حزب سياسي يقول الكثيرون أنه مدعوم من الأمن..

تذمر السائق وهو يرى عشرات البسطاء الواقفين في صف طويل،كل بانتظار فتح باب الحافلة ليأخذ نصيبه من خيراتها وقد تجسدت أحلامهم البسيطة في وجبة غذائية ومبلغ مالي يكفيهم لبضعة أيام رغم تواضعه..

هتف معاون السائق فيهم بصرامة بضرورة الاصطفاف الجيد متوعدًا إياهم بأن المُخالف لن يكون من السعداء الذين سيأخذون نصيبًا من الخير،مع معرفته بأن الموسم عرض وطلب،وأنه إذا لم يقم معهم بالواجب فلن يذهبوا للانتخاب،ولكن نظرات الاحتياج واللهفة في عينيّ البسطاء جعلته يزدريهم ويهددهم..

كانت وظيفته تتلخص في أخذ بطاقة “الناخب” وتسجيله،والنظر في يده ليرى أثر الحبر الفسفوري الذي يدل على انتخابه،ثم إعطائه الكرتونة الغذائية والمبلغ المالي،ويقوم بالمثل مع من بعده..

“النظام يا بهائم”
هكذا هتف عندما اعترض أحد الواقفين على آخر لأنه رآه بالأمس في نفس المكان فقال الآخر أنه لن يأخذ من رزقه ولا دخل له به،فعاد مساعد السائق لتهديدهم بالرحيل بالحافلة إذا لم يضعوا أفواههم في حلوقهم فساد الصمت التام للحظات بدت ثقيلة قبل أن تقول سيدة معترضة
-كيف لا نأخذ حقنا وقد ذهبنا للانتخاب؟
-لأنك قليلة الأدب فلن أعطيكِ شيئًا.
هتف المعاون والذي كان أمينًا سابقًا في جهاز الشرطة وعندما تودد إليه بعض معارفها الواقفين في نفس الطابور قال بحزم
-لا أريد سماع صوتًا،”والتفت إلى السيدة قائلًا بلهجته التي لم تتغير”،قفي في آخر الصف لأعطيكِ حقك.(وكان هذا يعني أن تنتظر ساعتين آخرتين على الأقل)..
وبعد بكاء وتوسل ممن حولها واصل الرجل بنفس القوة
-ليس واجبًا علينا إعطاؤكم شىء،نحن نريد إكرامكم ولا نجد سوى التبجح والجحود.
وأصر على وقوفها في آخر الصف..
عقب انتهاء تسليم الحافلة،بدأت إحدى القنوات الإعلامية في إجراء حوار مع “الناخبين”..
” يجب المشاركة،المشاركة واجب وطني،من يعزف عنها فهو خائن”..
“الشباب العاطل،الجالس على القهاوي ،لماذا لا يُشارك،ليرسم مستقبل الوطن خمس سنوات للأمام”
“انتخبت المرشح (…….)لأنه ابن بلدنا وقريتنا”
وبعد انتهاء اللقاءات عادوا لأخذ وجباتهم التي لم تظهر في الكاميرات بعد أن قامت القناة بإعطائهم الأعلام الوطنية وهم يتحدثون ثم أخذهم بعد نهاية اللقاء..
جاءت السيدة و وقفت أمام مراسلة القناة التي سألتها
-صفي لنا مشاعرك وأنتِ ذاهبة للانتخاب؟
-سعيدة جدًا لأنني شعرت أن صوتي له ثمن،لقد أعطونا مئة وخمسين جنيهًا وكرتونة غذائية.
وانصرفت بعد أن ألقت بعبارتها على الهواء مُباشرة،وقد شعرت بأنها ثأرت لكرامتها بعد إهانة السائق..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.