هناء مطر تكتب استقطاب


 

كعادتي استيقظ في تمام الساعة السادسة صباحا، أنظر لوجهي في المرآة، أمرر أصابعي على وجهي ثم أفتح جميع النوافذ والأبواب في منزلي

أضيء كل الأنوار ربما لا أكتفي بنور الصباح لينير العتمة بداخلي

أغسل وجهي ثم أعد فنجان قهوتي السادة وأنا استمع لصوت الشيخ محمد رفعت في تمام الساعة السابعة صباحا في إذاعة القرآن الكريم

أرتدي ملابسي القاتمة، أتصفح هاتفي الخلوي ثم أغلق كل شيء خلفي وأخرج إلى عملي في الساعة السابعة والنصف صباحا

أتأمل الأشجار، السماء، الجدران، الأطفال وهم يرتدون الزي المدرسي

لا أعلم لِمَ اليوم أشعر بثقل حقيبتي فوق كتفي؟!

حقيبتي السوداء كما هي مكتظة بأشياء لا استغنى عنها، مصحفي، محفظة نقودي، مناديل مبللة، كريمات مرطبة، كوب بلاستيك سهل طيه وهاتفي الخلوي

ومساحيق التجميل؟!

لا، لست من هواة التجميل بل أخفي عيوني الزرقاء خلف نظارتي السوداء دائما

توقفت سيارة أجرة أمامي فجلست بجوار السائق

مازلت أشعر بثقل حقيبتي رغم أنني لم أضع بها شيئا بالأمس

كالعادة لدى السائقين يستمعون للمذياع وبعض الأغاني المحملة على “فلاشة”

بعضهم يعشق أغاني المهرجان والبعض الآخر يعشق أم كلثوم وفيروز وغيرهم من الطرب الأصيل

كان حظي مع سائق يعشق الإستماع إلى أم كلثوم، كانت تشدو “يا خوف فؤادي من غدٍ”

هو هائم معها ويدندن وكأني لست بجواره
أشعر بحركة أمعائي، ربما لأنني لم أتناول وجبة العشاء البارحة، ربما لإحتسائي القهوة على معدة خاوية

أشعر بشئ يتحرك حول خصري كنت أعتقد في بادئ الأمر أنها امعائي تتحرك بداخلي
مددت يدي ولمسته، ناعم وذيله يخرج من الحقيبة

صرخت ثعبان ثعبان
ألقيت بحقيبتي من نافذة السيارة وتوقف السائق فجأة وهو يقول:- أين؟!

فتحت الباب وركضت خارج السيارة، حاول السائق قتله بعصا وجدها على الأرض
ظل يزحف أمامي، لونه أسود وجلده ناعم لامع

أشعر أنه لدغني في خصري، السم يسري في دمي

توقفت سيارات كثيرة حولنا يتسألون:- ماذا حدث؟!

أسرع السائق يجب أخذها لأقرب مشفى

شعرت ببرودة أطرافي، غشاوة على عيني”زغللة” والسائق بجواري يصرخ ويقول:- افتحي عينيك ابقي معي

أشعر بدوار في رأسي، جفوني ثقيلة تطبق وأحاول إبعادها

اتنهد وانطق الشهادة
السائق مرتبك بجانبي:- لا تخافي أنا معك

أغمض عيني وأرى أمي ترتدي الأسود وتفتح ذراعيها وتنادي:- هيا اركضي، تعالي معي، أنتظرك

أمواتي يصطفون حولي، يرتدون الأسود ويزغردون

تعالي معنا

أسير على طريق زراعي، الأشجار الخضراء على الجانبين

ظلام من حولي ولكنني أرى نور منبعث من ثقب
شعاعه ينفذ إلي قلبي؛ يشع جسدي كأنني الشمس

يد السائق تربت على كتفي وهو يقول :- افيقي ابقي معي

أفتح عيني وأطبقها، أسند رأسي على مسند الكرسي خلفي

مذاق الموت في حلقي وطعمه مر علقم

أمي تنادي:- هيا اركضي تعالي معي
الأموات يرمقونني، وجوههم تقترب ويلتفون أكثر وأكثر حتى تضيق دائرتي

عيونهم تتسع، يتحولون لأشباح وذئاب تلتهمني

هذه جدتي لأمي، هذا جدي لأبي، ابن عمتي وابنة خالي جميعهم أموات ويتحولون أمامي، لا يرحبون بقدومي ويديرون ظهورهم

فقط أمي تناديني تعالي معي

أفتح عيني، يدي صفراء لونها، أطرافي كأنها في “ديب فريزر” وتجمدت

السائق:- اطمئني، اقتربنا من المشفى

أغمضت عيني، لا أعلم ربما لسويعات وحينما فتحتها
وجدت أبي يبكي وإخوتي

الطبيب يقول:- حمدلله على سلامتك

أبي يحتضني ويقول:- إلا أنتِ ويهز رأسه

سألني أخي ماذا حدث؟!
قصصت عليه قصتي
“لطالما حذرتك من استقطابهم” هكذا قال أخي

استقطابهم؟!

تفكيرك الزائد بهم يستقطبهم نحوك

دائما اخشاهم، أشعر بوجودهم حولي، أتخيل وجودهم وهم يزحفون ويختبئون في حذائي، شعري وملابسي

كنت حريصة كل الحرص على إغلاق كل شيء جيدا
ربما نسيت إغلاق حقيبتي، ربما دخل من النوافذ في الصباح حينما فتحتها

ربما حينما تركت الباب مفتوحا بالأمس؛ تسلل داخل غرفتي

نعم ربما قمت باستقطابه وادعوا الله ألا استقطب غيره.

#هناء_مطر
#استقطاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.