د.إيمان الزيات تكتب “آخر حدود الحلم” بين المبنَى والمحكَى


 

رواية
“آخر حدود الحلم”
بين المبنَى والمحكَى
د/ إيمان الزيات – عضو اتحاد كتاب مصر

صيغت رواية “آخر حدود الحلم” للكاتبة (نهاد كرارة) في طبعتها الثانية الصادرة عن دار شهرزاد ، في (208) صفحة من القطع المتوسط ، متكئة على مبنى روائي محكم يتألف من عناوين، وإهداء، ومقدمات ، و (21) فصلاً روائياً، فضلاً عن لوحة تشكيلية رئيسية في مطلع الرواية متماهية مع المتن للفنان (وليد كرارة).


“آخر حدود الحلم” عنوان سيميائي حوّل ثيمة الحلم الأثيرية غير الواقعية إلى مكان له حدود واقعية حقيقية ملموسة يمكن الوصول إليها، هذا العنوان يضعنا أمام تساؤل وإجابة: ماذا يوجد في آخر حدود الحلم سوى “الواقع”، وتلك المفردة هي مفتاح تشغيل سائر مكونات الفضاء الروائي سواءً كان ذلك في مبناه أو محكاه الذي يصف عملية الانتقال من الخيالي التوهمي إلى الحقيقي الواقعي بامتطاء التجربة الحياتية القاسية والخادشة.
يطالعنا الإهداء ليؤكد على هذا المفهوم حين كتبت “نهاد كرارة” تقول:
” إلى ذلك المبهم الذي خضته كثيراً فلم يصل بي إلى شئ، ولكنه منحني القوة لمجابهة الواقع، والقدرة على تحمل كل الصدمات الماضية، وتوقع الصدمات الآتية بهدوء وجلد….”

ثم تأتي المقدمة الرئيسية التي ساقتها الكاتبة لتكون عثرة تعرقل إقبال القارئ الشغوف على روايتها ، بعكس تلك المقدمات والهوامش الصغيرة التي سبقت فصول الرواية والتي صيغت بضمير “المخاطب” لتصبح بمثابة مرآة تواجه الآخر وتقاضيه وتحاسبه، كانت تلك المقدمات القصيرة بمثابة نص موازٍ ومجاور للنص الأصلي. ولو أردنا أن نثمن شيئاً ما في روايتنا تلك لكان مبناها المتين الذي تتساند فيه الهوامش مع المتن بتناغم ملحوظ.
أما عن المحكى فيدور عموماً حول موضوع العلاقات المرتبكة بين الذكر والأنثى ؛ لذلك بدت الموتيفات ملائمة لهذه النوعية من الحكايا ، فاتكأت الكاتبة على موتيفة “الدونجوان، أو فلانتينو، أو صائد الفراشات” في تشكيلها لشخصية البطل “طارق”، وعلى غراره صيغت شخصية “جنّات” على قالب أسطورة “ليليث” المرأة الشهوانية المتسلطة على رغبات الرجال مثل شفعات في فيلم شباب امرأة، وشخصية زوج سما الذي التي يحقر المرأة ويسلعها، وفي المقابل كانت “قمر” الشاعرة الملائكية، والصديق “كريم” الطوباوي، والصديقة “سما” شخصيات تبحث عن اليوتوبيا وتعيش الديستوبيا ، وفي خلفية الشخصيات أو الباك جراوند جاءت شخصية “أحمد” المحب منذ البداية واختفت لتظهر مرة أخرى في النهاية، تتحول الشخصيات الرئيسة “طارق، وقمر” بفعل التجربة من النقيض للنقيض لتشكل نمط الشخصية الكروية المتحورة.
تناقش الرواية العلاقات بين الرجل والمرأة ولا ينتصر أي حزب في تلك المعركة الجماعية الخاسرة، وتشير إلى الصداقة إشارات مقدسة تضعها في مكانة أعلى من الحب فتنحت الكاتبة كلمتها المشتقة (حباقة) من الحب والصداقة معاً. تناقش أيضاً الفن في مقابل المادة، كما تناقش العلاقات الأسرية المرتبكة التي تنتج شخصيات مهزوة ومشوهة نفسياً واجتماعياً.
لغة السرد وصفية شفيفة ، شاعرية، استبطانية تميل للمنولوج أو حديث الذات..
” قرأت ما جعلني أتأكد أنه يخون خيانة عظمى، يطحن كرامتي يومياًبين شفتي أخرى، يبعثر وعوده على خصرها، ثم يلقي بكل العشق المصفى الذي امتصه مني على انحناءاتها، ثم يعود كما لو لم يقترف ذنباً…”
تعد رواية “آخر حدود الحلم” رواية أصوات/ بوليفونية بامتياز، حيث تسرد كل شخصية حكايتها بصوتها ومن وجهة نظرها بالتجاور مع صوت الراوي العليم.
أما عن زمن الرواية فهو زمن طبيعي كرونولوجي، تعطل أحياناً بالكابوس ، والمنولوج، واليوميات. والمكان اتصف بالانغلاق والحيز الضيق في عمومه وفيما عدا هروب البطلة للبحر أحياناً.
جاءت النهاية مأساوية بانتحار بطلها الرئيس “طارق” مصطحباً معه “قمر” كي يمنعها من الارتباط بغيره، لكن صياغة المشهد لم تكن مقنعة بالقدر الكافي فقد شابها شئ من الجموح غير المنطقي.
ولكن عموماً قدمت الكاتبة (نهاد كرارة) رواية متماسكة كتبتها بجهد مخلص وموهبة لغوية رصينة، وسردية خالية من السقطات تنبئ بالكثير الذي تملكه ولم تقدمه كله بعد.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.