حسين أبو طايع يكتب عمر بن الخطاب


 

 

سيدي عُمر بن الخطاب/
أمير أعظم دولة إسلامية في زمانك..
سلام الله على روحك الطاهرة .. كل السلام
أما بعد:
أكتب لكَ لعل الكتابة تُهدئ رعشة القلبِ قليلًا، فقد بلغ الشوقُ مبلغه، كأني إختزلتُ فيك نصيبي من القوة، أقرأ عنك فأوقن أنك مَنجمُ حياة.
كنتَ نجمًا في سماء الإسلام، أسلمتَ حين كفر الناس، أسلمتَ جهراً ،وأسلم الناسُ سراً ؛وجاهدتَ مع رسول الله حين خذله الناس، كُنتَ من ذاك الجيل الذي عاصرَ الإسلام غضًا طريًا وحمله إلى الدنيا كلها.
دومًا أتخيّل ملامحك، تلك الهيئة المهيبة، آدم اللون، طويل القامة، ضخم الجسم، سريع الخُطوات، خطوات على قدر قسوتها وفظاعة وقعها في جاهليةِ عُمرك باتت بعد ذلك خطوات مباركة تطيب بها الأرض ويتَّزن بها من عليها، فيأتيني صوتك الجهوري، صوتٌ لرجلٍ كان كجبل أشم، وطود، شامخ.
كنتَ شديد المحاسبة لنفسك، خاشعُ القلب رقيق، كثير الدمع، صاحب الحدس الصادق والمعرفة التامة بالرجال، إذا تكلمت أسمعت، وإذا مشيت أسرعت، وإذا ضربت أوجعت وأنت الناسك المُتعبِد.

كثيرًا ما أستحضر لحظة إسلامك، غضبك الجامح من إسلام أختك أعمى قلبك الذي ما كان يلين إلا عندما سال الدمُ من وجهها من أثر لطمتك، تخيلتك ترق، تهدأ، تحاول تنظيم أنفاسك ثم تطلب أن تسمح لك بقراءة هذا القرآن الذي وقع في قلبك، كانت سورة طه -وله في ذلك حكم- تسائلت كيف شعرت عند قراءة أول آية؟! هل دخلك الإسلام قبل أن تدخله؟! إلى متى امتدت قشعريرتك الأولى؟! هل سكن قلبك سريعًا؟! هل كفاك أن تمر عيناك على الآيات ويهمس بها لسانك مرةً واحدة ليزول غشاء الجاهلية الذي أحاط بقلبك، وُينزَع سهمَ الجهل من سويدائه، وتُمحي تلك الحيرة واللجاجة، ويزيدُ اليقين؟!
عندما تخيلتك تتلو السورة لأول مرةٍ لم أراك بقوتك المعهودة، شعرت بارتعاشة أحبالك الصوتية ورجفة يديك وإضطراب أنفاسك، تخيلتُك أخف روحًا وأطلقَ فؤادًا، فالإسلام يبدأ ها هنا في الفؤاد، ثم ينتهي إلى الجوارح .. ومن هول التخيُّل هذا بكيت! وبكيت سنواتك الضائعة في الجاهلية!

يا أحبَّ العمرين، كان إسلامك نصرًا، وإمارتك فتحًا، فوالله مكة بعد إسلام عُمر ليست كـمكة قبلها، بدأت قطعة جديدة من تاريخك تلتئم، كنتَ جبارًا في الجاهلية وما كنت يومًا خوارًا في الإسلام، تبدَّل الحال يا عُمر وكأنه تم إستئصال فص المخ الذي كان يُحرضك على الكفر! فشهد لك الرسول بصدق الإيمان، وكمال الدين، وفِرار الشيطان منك.

كيف نمت في الليلة التي بشَّرك فيها رسول الله بالجنة؟! والليلة التي قال فيها “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه”، وحين قال لك “والذي نفسي بيده ما لقيكَ الشيطان سالكًا فجًا قط، إلا سلكَ فجًا غير فجِّكَ”، كيف أكملت طريقك في اليوم الذي أخبرتَ فيه النبيَّ صل الله عليه وسلم أنه بات أحب إليك من نفسك فقال لك “الآن يا عمر”!

ماذا بينك وبين ربك حتى تقول عائشة “إذا ذُكر الصالحون فحيهلا عمر”، ويقول ابن مسعود “كان عمر إذا سلك بنا طريقًا وجدناه سهلًا”، ويقول أبو طلحة يوم موتك “ما أهل بيت حاضر ولا باد إلا وقد دخل عليهم نقص”

ويوم وفاة النبي صل الله عليه وسلم، ذاك المشهد يعصفُ بقلبي كلما تخيلته، تقول “والله ما مات رسول الله، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات، والله ما مات رسول الله!” وتُعيدها وتصيح وقلبك يأبى الاعتراف، فيخرج أبو بكر يقول {وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلتْ من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم} فكأنك تسمع الآية للمرة الأولى، وحينها .. حينها فقط أدركتَ أن النبي قد مات، فعقرتَ، وخارت قواكَ، وهويت أرضًا، إنك قد زهدت في كل شيء إلا حب رسول الله فأي ألم أعنف من فُقدانه؟! غُبار ألمك حينها كان أكثف من أن يزول بنفضةٍ واحدة.
ولكنك حملت عنك حُزنك لتتعامل مع صلابة الواقع، وكان لك الفضل الأكبر في إخماد نار الفتنة، وإزالة أسباب الفرقة، وتمت بيعة أبي بكر فتقول “أيكم تطيبُ نفسه أن يتقدم أبا بكر؟!”، وحين يخبرك أنك أقوى منه وأحق بالخلافة يأتيه ردك “والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر”

يا سيدي، هنالك دعوةٌ ظلت تحوم حولك طويلًا، تقول “اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك” فيقولون “وأنَّى الشهادة وأنتَ في جزيرة العرب ومن حولك يغزون؟!” فتُردد بيقين راسخ “يأتي الله بها إن شاء .. يأتي الله بها إن شاء” وقد شاء يا عُمر وأصبحت شهيد المحراب.
وأنتَ على فراش الموت وجُرحك يثعب دمًا تقول “والله لوددت أن أخرج كفافًا، لا عليَّ ولا لي” وتنظر بعين الأب لابنتك حفصة توصيها “إني أحرج عليكِ بما لي عليك من الحق أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينيك فلن أملكها!” ثم تفقد الوعي وتغيب قليلًا عن هذا العالم، ومن حولك أعلم الناس بك يدركون أنك لا تنتبه لشيء كما تنتبه للصلاة فيقولون “الصلاة .. الصلاة يا أمير المؤمنين” فتنتبه، بجسدٍ جريح وقلبٍ سليم، وعندما حان وقت الرحيل، طلبت أن يوضع خدك على الأرض وتقول بوهن “ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي” وتكررها خشيةً وخوفًا ورهبةً حتى فاضت نفسك.
وأتى اليوم الذي غابت فيه شمسك، وانتهى شفق المغرب لتستقر كآبة الليل، بموتك أصاب البنيان شدخ قد تعذر ترميمه إلى الآن.. إلى الآن يا عُمر!

يومًا ما .. حين نلتقي سأخبرك كل شيء، سأخبرك أننا حين كنا نسأل عن العدل كانوا يجيبون “مات عمر”، سأخبرك أن مفهوم الزهد تحوَّل، وأن الإسلام هو الإسلام لكن القلوب ليست كالقلوب، سأخبرك أن الكثير من الأحلام صادروها باسم الدين الذين لا يعرفون عنه شيء! سأخبرك أنك كنت دومًا معي، ماثلًا أمام عيني، وحين كنت أشعر أني على عتبة التيه كنتُ أدور حولي وأقبع في زاوية ما بي لأبحث عنك فتُصلح ما اهترأ وفسد داخلي، سأخبرك أيضًا أنه لا شعور بالزمن إلا بمقدار ما نشعر به وقد كانت خلافتك عشر سنوات وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلةً .. وتمنيت لو أن عمري كله ليلة واحدةً من هذه الليالي المباركة.
والسلام علي روحك الطاهرة…
_ حسين ابو طايع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.