إسلام حافظ يكتب لماذا نصمت


 

بعد أن أيقنت أن صمتى جريمة – للأسف – لايعاقب عليها القانون، فلو حسبنا على صمتنا لن يكفينا عمرنا لتنفيذ العقوبة..
أتعلم – عزيزى القارئ -.. لماذا نصمت حينما نرى شخصا يظلم؟ لماذا نصمت حينما نرى شخصا يحصل على رشوة؟ ولماذا نصمت وغزة تحت النار؟ لماذا نصمت على فضائح التعذيب فى كل مكان؟ لماذا؟ لماذا؟….أسئلة كثيرة تحزم حول صمتنا الغريب الذى لم يعد له سبب يبرره إلا سببا واحدا فقط؛ ولتعلمه عليك أن تسأل نفسك: متى صمت الإنسان لأول مرة؟
اتفق معظم الأطباء والمحللين النفسيين على أن الانسان يصمت لأول مرة فى حياته عندما يكون رضيعا ويسمع صوت أبيه العال! لا تتعجب.. فتذكر معى لو كانت ذاكرتك تسعفك أو أسأل أحد أفراد أسرتك عن بكاءك وأنت صغير ومتى كنت تصمت ولا تتمكن من البكاء والدموع تغرق عينيك وصدرك يشتغل غضبا.. ولكن لا يمكنك البكاء؟ ستأتى الإجابة بأنك كنت تسكت وتكف عن البكاء حينما تسمع صوت أبيك، وأكاد أجزم أنك كنت تختبئ بمجرد أن تسمع والدتك تقول: “بابا جه!” فتركض وكأن الخطر من خلفك….
أفهمت الآن متى صمتنا أول مرة؟ نعم صحيح صمتنا ونحن أطفال، تملأ البراءة عيوننا، ويغشى وجوهنا نور ضاحك، ولكن سرعان ما تزول البراءة ويحل محلها الجمود واليأس من الحياة، ويتلاشى النور الضاحك ويحل محله الظلام والكآبة….
ومن أكثر المجتمعات العربية التى يخيم عليها الصمت والسكون هو المجتمع المصري..
المجتمع الذى عرف منذ آلاف السنين بأنه مجتمع مسالم لحاكمه، يعيش فى صمت ويموت فى نفس الصمت.. أو بمعنى آخر: المصرى يعيش يموت! المصرى يرضى بحياته مهما كانت، وكما يقال (حتى لو هياكلها بدقة) سيعيش قانع خاضع للظروف وللكبار الذين لا يسمعون ولا يرون إلا أنفسهم.. أتعلم لماذا؟ لأنه صامت.. كيف يرونه وهو صامت لا يتكلم.. قالها منذ قرون: “تكلم حتى أراك”..
ولكن.. برغم هذا الصمت والهدوء والخنوع الذى أظهره الشعب المصرى – ومازال – لحكامه على مر العصور إلا أنه حينما يغضب وتضيق نفسه يتحول من طفل رضيع هادئ إلى عملاق ثائر، ومن ملاك خاضع طاهر إلى مارد كاسر يضطرم غيظا..
والتاريخ يشهد على ذلك.. ففى عهد خورشيد باشا الوالى العثمانى وقبل تولى محمد على حكم مصر، كان يعيش الشعب المصرى فى حالة من الغلاء – كما هو الآن – الفاحش، والذى يعد سرقة فى وضح النهار. ظل الشعب يهاود حكامه ويسايرهم ويتحامل على نفسه، حتى طفح الكيل وضاق بالدنيا، وقلب المائدة على الكبار، وتم خلع خورشيد باشا وتولية محمد على حاكما على مصر، وكان ذلك أول حاكم لمصر باختيار الشعب من خلال ممثليه.
كذلك يشهد التاريخ على عهد الملك فاروق آخر ملوك مصر وكيف كان عهده ملئ بالمشكلات والنزوات التى أثقلت حسابه لدى المصريين وكيف أنهم صبروا عليه صبر أيوب لعله يرجع عما هو فيه، ولكن دون أدنى فائدة، وكان مصيره الطرد على متن المحروسة فى البحر.
إن ما يحدث حالياً من إضرابات واعتصامات لهو أدل دليل على أن هذا الشعب يشعر ويتألم ويعبر وينتفض ويثور كالبركان عندما تهدد كرامته ولقمة عيشه ويضيع حقه فى الحياة، فالصمت لن يظل لغة أبدية للإنسان المصرى على وضعه المحزن البائس الكئيب اليائس “العصرى”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.