إيهاب فاروق يكتب عن.. “مرقعة الفيران


 

إيهاب فاروق يكتب عن.. “مرقعة الفيران!!”
ابتلاني الله تعالى بالعيش أعزبًا مدى حياتي المهنية, لكن ونعم البلاء الذي جعلني أحب عيشة العزوبية مع الحرية “زي الطيور بين الأغصان” كما يقول عبدالوهاب, لكن فرحة ما تمت كما أتمها موسيقاري المفضل بـ “مدام حبايبي حواليا كل البلاد عندي أوطان” فقد صار حبايبي الذين حواليا كلهم فئران!
فبعد أن اشتد بي البلاء, متنقلا بحقيبتي بين الفنادق في أغلب الأنحاء, حتى عثرت على شقة تناطع السحب في السماء, فكان نصيبي وحيدا في ذلك الحُق الرابض في الطابق السابع عشر, وببلكونة مفتوحة للسماء بلا سقف وتغري بالسهر, لكن هيهات هيهات, ففي ليلة ليلاء يكسوها السكات, سمعت بنفسي الخربشات, والهمهمات أحيانا والصرخات, فجريت مندفعا ناحية البلكونة, فرأيت فأرا يتمطي مع فأرة ممحونة, وتهز له من الإعجاب ذيلها, فيمس لها مع التدليل خصرها, حتى رأياني فاختفيا في لمح البصر, ولم يعد لهما في البلكونة أثر, وقد استقرا وسط الكراكيب, ويبدو أنهما سيفعلان بالعبدلله الألاعيب!
وكلما أتاني النوم في عيني لا أهنأ به كطويل العمر ومطرب الأجيال, “وأنام وأنا مرتاح البال”, وكيف أنام ويستقر لجفني قرار, ومعي وفي شقتي المتعوسة يسكن ويبرطع “فار”, وربما كان الفأر مصابا والعياذ برب السماوات بالسعار, فيغريه وهو يمر فوق مخدتي احمرار أذناي المطرطقتان, وتلون منخاري الذي صار بفعل الزكام كما البلح السمان, فيتجرأ علي في نومي, ويقضم من رأسي كحبة الخيار ويرمي, فيجعلني أذهب لعملي ناقصا أذُنًا تسمع عصفرات العصافير, أو ناقصا فردة منخار فأزيدهم فوق الشخر على ما يفعلونه من العك شخير!
وماذا سأفعل في تلك الطامة, وما أعظمها لو علمتم ملمة, فهل سأغلق باب البلكونة للأبد, لأسجن نفسي مختارا بلا أهل في الشقة ولا ولد, وأتركهما في جحرهما الوثير يعربدان ويتناسلان, وأنا بالداخل مخنوق من الحر وأحتضن الأحزان, فلا والله لا هذا يكون أو حتى كان, فأسرعت وأحضرت المقشة, وقررت من فوري أن أهدم على رأسيهما تلك العشة, وأزحت الكراكيب من عليهما بلا أدنى شفقة, ليغيظاني ويدخلا من أمامي إلى الشقة!
ويالا الكارثة المريعة, وتلك الليلة الليلاء بمرارتي المفقوعة, فقد احتل الفئران مكاني وطرداني, وها أنا مغتاظ مفروس ووسط الكراكيب أعاني, وكأن شقتي قد صارت أرض فلسطين, وقد سلبها فئران صهيون منذ سنين, فماذا عساي أن أفعل, وألف سؤال أمامي وأنا حتى لا أسأل, وكيف أشارك أرضي من سيأكل قُوتي, وينتوي في كل وقت موتي, وصارت تطاردني الأوهام والخيالات, وكلما مر على الأرض خيال أو شتات, كنت أظنه كان فأرا وفات!
ولأنني سليل قوم معروفون بالشجاعة, وقد يعود سنسفيل جدودي لفخذ كبير من قبيلة قُضاعة, فقد هجرت شقتي متعللا بشغلي كشماعة, وصرت أشبك ورادي العمل ببعضها, لعلي لا أرى وجه الفئران وقضمها, لكنني كنت حتما أعود, فلا مفر من المبيت ليلة أرغبها لحسود, بعد أن أكون قد شكوت لطوب الأرض حالي, وما استجد من ألاعيب الفئران حيالي, فلا تركت زملاءً ولا جيران, إلا وقد عرفوا مأساتي مع الفئران, ومنهم من نصحني بأن أضع لها السم, ومن ضحك على ما أرويه ولم يهتم, فصرت مسخرة الجيران صاعدا أو نازل, رغم أني كنت نيابة عنهم للفئران أقاتل, ومنهم من وجدته في أخلاقه كما الفئران, ولم يبق إلا أن يكون له ذيل ويقرقض في بني الإنسان!
وذات يوم استلمني حين عودتي جار, وقال لي كلاما كدت منه أن أحتار, وكأنه يريدني أن أحب الفئران, فهي أليفة كما يقول وإن كانت لها أسنان, وإن كان لنا بالفعل أن نخاف, فمن الثعابين ذوات السم الزعاف, فقلت له: اهدأ علي يا صاح, فليبق لك أنت حب الفئران المباح, وإن كانت تأكل وتعيث في شقتي اليوم, فلا أظن بأنها ستنتوي الصوم, ولو كنتم قد فرحتم فيما أصابني من خسارة, فحتما ستأكلكم الفئران في باقي العمارة, فهم يتناسلون تناسل الأردة, ويأكلون ولا يتركون شاردة أو واردة, أما أنا فسأحارب الفئران ولا أهوى السكوت, حتى يغوروا من أمامي أو أموت!
ودخلت شقتي ملتاعا من تلك الأعاجب, وبمن ظن أن للفئران عهدا في المآكل والمشارب, فمن صافح الفئران عضت أياديه, ومن أطعمها تبرزت في طعامه وأوانيه, وهممت أسحب كل مالي في الشقة من متاع, وأقلب في الموائد والكراسي باندفاع, حتى أقلقت راحة الفئران, وجرت أمامي الفأرة الجبانة وتبعها الجبان, فتبعتهم بيد المقشة أضربهما وأطارد, ففرا إلى الغرفة الصغيرة بدم بارد, فأغلقت عليهما الباب بإحكام, وأحكمت عقب الباب بالقماش لينعما بالعزلة وبطول المقام!
حتى مر أسبوع أو يكاد, كانت فيه أيامهما سواد, فلا خبزًا يأكلان, ولا ماءً يشربان, وشممت رائحة موتهما, فقلت جزاءً وِفاقا لهما, فعقاب الفئران هو الحصار, لا أن نتركهم يعيثون فيها خرابًا ودمار, فلا تفتحوا الغرفة المغلقة محكمة الباب والحيطان, فلن تحتملوا رائحة ومرقعة الفئران !!
تمت
إيهاب فاروق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.