بائع ذرة يكتبها حسن عبدالهادي


 

بائع ذرة…حسن عبدالهادي

لم ألاحظه إلا عابرًا،كنت ذاهبًا إلى عملي،وقد أسرعت في ارتداء ملابسي حتى أقاوم التأخر الذي يلازمني منذ فترة،ولعله كسلًا في النزول المبكر من المنزل،وإن كنت أصل في الفترة المسموح بها..

شعرت ببعض الضيق عندما وجدت الحافلة التي أقلتني تكتظ بالراكبين وقد تساءلت في نفسي “لماذا يصر السائق على تكديس المستقلين في الممر بشكل يدعو للاستفزاز”؟أهو رغبة في جذب الزبائن،أم أن الراكبين أنفسهم لا يمانعون في الوقوف،؟،في أي دولة تحترم آدمية الراكبين،لا يوجد راكب واقف،ولكننا نختلف عن الآخرين..

لمحته جالسًا بجلبابه البسيط،ولحيته السوداء الكثة والتي تعطي تقديرًا لعمر في نهاية الثلاثينيات وأوائل الأربعنينيات وهو يقف أمام عربته،ويمسك جريدته ويحركها بانتظام ليطمئن لشواء الذرة في انتظار الرزق..،لم يكن هذا ما لفت انتباهي فقط،ولكن ما أثار فضولي هو رغم المحمول على عربته،والعبارة البسيطة “خدمة توصيل الطلبات للمنازل مجانًا”!،هل صارت الذرة سلعة يطلبها المشترين بالهاتف،أم أن الملتحي يلتمس كل السبل لإرضاء عملائه!،وهم كذلك بالفعل طالما يوجد طلبات للمنازل!،خطر لي فكرة لم أنتظر طويلًا لنفيذها..

هبطت الحافلة وكأنني لست مهتمًا بالتأخر عن العمل وذهبت إليه،سألته عن ثمنها،”بجنيه ونصف”كانت هذه إجابته،ومن أين لي بالنصف جنيه الذي صار عملة نادرة هذه الأيام،وربما لا يوجد إلا عند سائقي “الميكروباص”،أو أصحاب الأكشاك وحتمًا البنك المركزي!

قررت شراء كوزين من الذرة الطازجة منه،مع تأكيدي عليه أن يقم بشواءها جيدًا،و بدأت أسئلة،أخبرني أن توصيل الذرة للمنازل خدمة مُستحدثة تضمن له زيادة الرزق الحلال،سألته وكأنني فيلسوفًا،”وهل هناك رزق حرام يا مولانا؟”وكانت إجابته “لا يوصف الرزق إلا بالحلال”..سألته عن مكسبه فأخبرني أنه سعيد بذلك العمل البسيط وأنه يعده مشروعًا خاصًا له…ولا ينتهي من العمل اليومي إلا في الخامسة بعد المغرب..

تمنيت له وافر الكسب وبعد أن أخذت الكوزين وهممت بالانصراف،وجدته يخبرني ب”الباقي”وهما اثنان من الجنيهات،وكنت قد نقدته خمسة ورقية،شعرت بالخجل أن أخبره أنهما له،قبل أن أسأله “أمتزوج؟”داعبني سائلًا”ألديك عروسة؟”..ثم وجدت صبيًا صغيرًا بعجلة بسيطة،وصندوق خالي فوقها-رجحت أنه أخوه”يأتي إليه ويخبره أن صاحبة المنزل قامت بالشراء،وأعطاه خمسة جنيهات منها له..سأله البائع لماذا لم يرفض طلبها؟فأخبرها أنها ألحت فلم يجد بدًا من التسليم،بنبرة حازمة طلب منه أخوه الأكبر أن يذهب بالجنيهات والخمس ويضعها في صندوق صدقات المسجد،ولكنه لمح الحاجة في عيني صغيره فسأله بلهجة عاطفية “أتريدها؟”..ثم قال على الفور “هي لك”..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.