قراءة في رواية “السند المزيف” يكتبها إسحاق بندري


 

 

قراءة في رواية “السند المزيف”
يكتبها إسحاق بندري

السند المزيف
ليڨ تولستوي
ترجمة: يوسف نبيل
مراجعة: د. أنور إبراهيم
سلسلة الجوائز ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2017

رواية السند المزيف هي آخر روايات الأديب العظيم ليڨ نيكولايڨيتش تولستوي ( 1828 ـ 1910 ) وقد نُشِرَت بعد وفاته, وعلى صغرها (الترجمة العربية تقع في 130 صفحة بما فيها مقدمة المترجم) إلا أن قيمتها الأدبية والفنية لا تقل عن أعماله الملحمية الضخمة مثل “الحرب والسلام” و “أنَّا كارينينا”. فلو اعتبرنا أعماله الملحمية السابقة مثيلةً بتشييد القصور والكاتدرائيات في متانة البناء الفني وتشريح كل أحوال المجتمع الروسي اجتماعيًا وسياسيًا وتسليط الضوء على مختلف أنماط الشخصيات بإسهاب واستطراد هائلين, فرواية السند المزيف تشبه تشكيل ونحت الأحجار الكريمة صغيرة الحجم بالغة القيمة والجمال إذ وصلت براعة تولستوي في صياغة قصة مترابطة لا تنفلت خيوطها بل يمكن اعتبارها لوحة زاخرة بعشرات التفاصيل الصغيرة في مشهدها, تجمع شخصيات متنوعة من كل الأطياف الروسية؛ نبلاء وفقراء, متدينون وملحدون, رهبان وعلمانيون, سادة وبسطاء, محتالون ومغفلون, حتى القيصر الروسي وحاشيته أيضًا يظهرون في الأحداث.


كل فصل من جزئي الرواية ينتقل ببراعة من شخصية لشخصية ومن قصة لقصة في نسيج متماسك من الصعوبة لوضعه في عمل أدبي صغير الحجم, وهي رواية ليس لها بطل محدد فكل الشخصيات لها مركزيتها في سياق الأحداث والأهم أن تولستوي عبر صفحات الرواية يقدم بمهارته ما يدور داخل العالم الداخلي لكل منهم, في عقولهم وأفكارهم ومشاعرهم بكل تقلباتها التي تنعكس على تصرفاتهم وما يواجهونه في لحظات يُوضَعون فيها بين نوازع الخير والشر الكامنة في النفوس ولأي اتجاه تميل كفة الميزان. يرسم لنا كيف تكون لحظات المواجهة مع النفس وكيف يتقبلها الإنسان ويتراجع عن طرقه الرديئة, أو يرفضها ويعمد إلى تبرير وتسويغ سوء فعله في حالة إنكار تامة.
يصف المترجم الأستاذ يوسف نبيل رواية السند المزيف بأنها وصية تولستوي الأخيرة قبل وفاته في فترة تفاقمت فيها حدة الخلافات بينه وبين زوجته وأسرته بسبب أفكاره ومثالياته الرافضة لحياة الترف والبذخ الزائفة ورغبته في مشاركة الفلاحين في ملكية ضيعته واهتمامه الصادق بهم وبتعليم أطفالهم وتحسين طريقة حياتهم. الأمر الذي دفع الصدام مع زوجته وأسرته إلى الذروة لاعتباره مظاهر الغنى والثراء الفاحش شرًا يتوجب على الإنسان رفضه تمامًا والهروب منه إلى حياة أبسط وأجمل, لتنتهي حياته مشردًا ويموت على رصيف محطة قطار, وترفض الكنيسة الروسية إقامة الصلاة عليه بسبب أفكاره الناقدة للكنيسة ولاعتباره منشقًا عنها.
السند المزيف هي رواية فكرية بامتياز, من الصعب تلخيص قصتها المتشعبة العامرة بالشخصيات والأحداث, ولكن قد يكون الأسهل في المراجعة تتبع خيوط الأفكار والأسئلة التي طرحها تولستوي عبر صفحاتها, ولا يستطيع القارئ أن يتجاهل ما يثيره تولستوي من تساؤلات في العقل, فربما تبدو الشخصيات اعتيادية كتلك التي نقابلها كل يوم ولكن في صراعها الداخلي نعرف عنها أكثر مما يبدو ظاهريًا.
الفكرة الرئيسة التي يقدمها ليڨ تولستوي في الرواية هي الأثر المتراكم في تزايد مستمر سواء لأفعال الخير أو الشر في موجات متتالية يشارك فيها عدد كبير من الناس بما ينفي فكرة الحتمية, ولا يريد تولستوي منَّا أن نتصور أن الشر بالضرورة عبر هذه الموجات المتتالية من القدرية بحيث لا ينتهي أثره, ولكنه يراهن على أنه ليس أكبر قوة فعالة في نفس الإنسان, فيكفي للنيات الطيبة وفعل الخير والتمرد على مقابلة الإساءة بالإساءة أن تسبب إيقاف موجات الشر من الاستفحال. في بداية الأحداث نرى نوعًا من العنف الأسري عندما يطلب ميتيا الطالب ذو الخمسة عشر عامًا من أبيه مضاعفة مصروفه لسداد دَيْنٍ, ولأن الأب كان في حالة مزاجية سيئة فيصب جام غضبه ويتهمه بأنه وغد وسيصبح محتالاً مثل أصحابه المسرفين, فيقرر بدافع الغيظ والمرارة أن يصبح وغدًا محتالاً إذ يزيف قيمة السند المالي الذي أخذه من أبيه من 2,5 روبل إلى 12,5 روبل بمساعدة صديقه ماخين, فبسبب ما تعرض له من تقريع وتوبيخ قاسيين تبدأ سلسلة من أفعال الشر بانتقال السند المزيف من يد ليد بعد أن يكتشف كل من يصل ليده السند ما تعرض له من نصب واحتيال, ليتراكم الأثر المدمر ويتحول إلى كذب وحنث باليمين وشهادة زور أمام المحكمة نهايةً بارتكاب السرقة والقتل وتدمير النفس.
لكن هذه الموجات المتتالية من الشر تتوقف بسبب شخصية ماريا سيمينوڨنا التي تمثل الطيبة المطلقة فهي تعيل أباها السكير وشقيقتها وزوجها وابنهما من معاشها وتتعرض منهم لكل أنواع التنمر والإهانة والتحقير دون أن تتذمر وتفضل الاستمرار في خدمتهم في تواضع كامل كما لو كان تولستوي يقدم فيها مثالاً ليسوع المسيح. تتبدل موجة الشر عندما تتعرض هي وأهلها للقتل على يد ستيبان بيلاجيوشكين الذي تحول إلى سفاح يقتل بدم بارد مسوغًا لذاته قتل ضحاياه بأنهم أشرار فاسقون لا يستحقون الحياة ولا يستوجبون أدنى تقدير حتى وإن كانوا قد آمنوه على أنفسهم أو استضافوه في بيوتهم, ولكن جملة واحدة من ماريا سيمينوڨنا قبل أن يُجْهِزَ عليها تُحَوِّلُ مسار حياته, فهي لا تدافع عن نفسها ولكنها تقول له: ” أيجوز أن تفعل ذلك؟ إنها خطيئة عظيمة! أشفق على نفسك, أنت لا تُهْلِك نفوسًا غريبةً فقط ولكنك تدمر نفسك أنت أيضًا.” ليجد نفسه لأول وهلة خائفًا من نقاء شخصية ماريا ولا يقدر على تسويغ جرائمه بل يشعر بالتقزز من نفسه لأول مرة ولا يحتمل عذاب الضمير على ما اقترفه جورًا وظلمًا بأبرياء لا ذنب لهم وكيف دمر نفسه بيده كما لو كان مغيبًا فيعترف للشرطة بجرائمه ويبدأ في مراجعة نفسه ويتبدل حاله لدرجة أنه يصبح السجين المثالي.
من هذه النقطة نفهم كيف كان يفكر تولستوي. فهو كان يرى أن مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية تفسد الفطرة السليمة لدى الناس. فشخصية ستيبان تستحل القتل لأنه قتل عندما كان مجندًا, وعند تولستوي يتساوى ارتكاب القتل سواء حدث في غمار الحرب أو في الحياة المدنية, فقد كان من دعاة نبذ العنف تمامًا حتى أن الزعيم الهندي غاندي كان ممن اعتنقوا هذه الفكرة منه. كما كان تولستوي يرى أن انخراط الفلاحين الروس في سلك الجندية يفسد طريقة عيشهم البسيطة في الريف فينهمكون في لذة مترفة زائفة في حياة المدن بما فيها لهو وفجور, وكان يعتقد أن خلاص المرء لا يأتي إلا من رفض التشكل في الحياة المدنية والعسكرية, وهو نفس ما قدمه في شخصية ڨاسيلي الفلاح الذي يتمرد على نقاء الحياة الريفية لاعتقاده أن الفلاحين يعيشون كالبهائم وأن الحياة الممتعة لا توجد إلا في المدن, والقوة التي يمارسها السادة لا تأتي إلا من امتلاكهم الأموال, فيتحول إلى كاذب وحانث باليمين وشاهد زور وسارق في نهاية الأمر.
هذا الرفض للمؤسسات المدنية والقضائية والعسكرية التي كان يُحَمِّلُهَا تولستوي مسئولية ما يعانيه الروس يظهر واضحًا فيما يصوره من فساد في إدارتها وشيوع الرشوة والمحاباة وتملق الأغنياء على حساب الفقراء. أما الرفض الآخر الذي اتسم به تولستوي فكان موجهًا للكنيسة الروسية ورجالها. كان تولستوي محبًا لتعاليم المسيح والإنجيل ويري فيها خلاصًا وراحة ً للإنسان متى فهمها وطبقها في حياته, لكن رفضه كان بالجملة للمؤسسة الكَنَسِيَّة ولحالة أن يتحول الدين إلى طقوسية مجردة تبتعد عن مراجعة السلوكيات الشخصية المتعارضة على خط مستقيم مع تعاليم المسيح.
ففي بداية الأحداث بعد افتضاح فعلة ميتيا نتعرف على شخصية الأب ميخائيل ڨيدينسكي مدرس الدين في مدرسة ميتيا ونلمح أن ما يحرك شخصيته في اضطهاد ميتيا والتشهير به ليس تأديبه وإصلاحه كما يُظْهِرُ, ولكن بسبب ضغينة شخصية وخلاف مع والد ميتيا صاحب الميول الإلحادية الذي سبق وأفحمه في مناقشة سابقة, ويفحمه لاحقًا بسبب موقفه من ميتيا, ليتحول الأمر لدى الأب ميخائيل إلى ضرورة مواجهة الملحدين وتفنيد ادعائاتهم ليس انطلاقًا من دوافع إيمانية حقيقية ولكن لأحقاد ذاتية. فإيمانه كان متحجرًا متشددًا لا يراجع نفسه أو تفكيره وتصرفاته بقدر الاندفاع لحساب ذاته وكرامته الشخصية, فبعد أن يستدعيه أسقف إحدى الإبراشيات لمواجهة المنشقين على الكنيسة من بدؤوا في اقتسام ملكية الأرض وتأويل تعاليم الإنجيل بأنفسهم وقرروا التمرد على سلطة الكنيسة, لا يتورع الأب ميخائيل من أن يطلب من الأسقف التوسط لدى الشرطة لمساعدته في تأديب المنشقين, وليس ذلك فحسب بل تتحول عظاته الحماسية ضد المنشقين إلى إثارة غيرة الفلاحين البسطاء من أتباع الكنيسة فيتشاجرون مع المنشقين, ومن المنشقين من يؤثر المسالمة اتباعًا لتعاليم المسيح ومنهم من يقرر الاشتباك مع الفلاحين في صدامٍ دامٍ.
ولا يحدث التبدل في شخصية الأب ميخائيل الذي يترقى بعد هذه الحادثة إلا بسبب راهب ناسك هو الأب إيسيدور الذي ترسله الكنيسة لدير منعزل ليكون تحت سيطرة الأب ميخائيل. الأب إيسيدور نفسه يكتشف أنه حاد عن الطريق الذي سلكه وقد جعله الناس قديسًا وهو مجرد إنسان ضعيف بعد استماعه لاعتراف فتاة طيبة اسمها ليزا يوربكينا (نلمح فيها شخصية تولستوي نفسه) التي ترفض زيف حياة البذخ والرفاهية وتريد أن تهب كل مالها للفقراء متبعةً وصية المسيح لكنها تصطدم بعائلتها, وعندما يستمع لها يقرر هو أيضًا الانعزال بعيدًا عن مديح الناس داعيًا نفسه وإياهم للتوبة, بل تتسبب إحدى عظاته في الكنيسة القيصرية بحضور القيصر ورجاله والتي يرفض فيها أن تقوم الدولة بإنفاذ حكم الإعدام, مما يتسبب في إرساله لدير بعيد تحت نظر الأب ميخائيل الذي بدوره يكتشف انحرافه عن جادة الصواب بفضل الناسك إيسيدور.
هذا الموقف الرافض لعقوبة الإعدام يتجلى واضحًا في شخصية منفذ الأحكام ماخوركين الذي يتأثر بالتبدل في شخصية القاتل السابق ستيبان فيرفض بدوره القيام بتنفيذ أحكام الإعدام مما يعرضه للعقاب. فكل أشكال القتل تتساوى بالجملة عند تولستوي, والحل الوحيد لديه على عصيان ذلك القتل تمامًا. فالعصيان واضح على طول الرواية, عصيان المؤسسة العائلية أو الدينية أو المدنية أو العسكرية متى تعارضت مع فعل الخير. فكان طبيعيًا أن ينتهي الأمر بصدامه هو شخصيًا مع كل هذه المؤسسات سواء أسرته الناقمة عليه, أو الكنيسة التي نبذته مثيرةً اعتراض محبيه, أو الدولة التي لم تفعل ضده أكثر من إغلاق مدرسته لتعليم الفلاحين وأولادهم. وإن أثارت أفكاره عن نبذ الغنى وملكية الأرض وأهمية مشاركتها مع الفلاحين إعجاب معسكر الثوريين الاشتراكيين إلا أنهم لم يتحلوا بأفكاره الرافضة للعنف تمامًا.
ربما يبدو ليڨ تولستوي مثاليًا بشكل مذهل خصوصًا في رسمه للحالة الفكرية الداخلية التي تشكل دوافع كل شخصية في سلوكها, وصف مظاهر الترف في حياة الأرستقراطيين, الفقر المدقع في حياة المساكين, جمال الطبيعة البكر وفتنتها الآسرة للروح. وإن كانت البداية في تزييف ميتيا للسند بعد تقريع أبيه الجائر, فالأحداث تنتهي أيضًا بالصلح ولم الشمل بينهما من جديد, وقد أدرك كل منهما مسئولية أفعاله وما اقترفه من أخطاء. يشدد تولستوي على أن النوازع الطيبة كامنة في نفوس كل البشر وأن تمكينها ليس بالمستحيل, ولكن اللحظة الفارقة تأتي في إيقاف دوامة الشر بعدم مبادلة الإساءة بالإساءة وأن يراجع الإنسان أفكاره بتدقيق متى وُضِعَ في الاختبار. ليس بالضرورة أن نذهب لنفس المدى في اعتناق كل ما يعتقده فيما يرتبط بالسياق الزماني والمكاني, ولكن الأسئلة الكبرى لا تفارق عقل القارئ. إذ نجد فيما طرحه من أفكار عاصفة للذهن ما يستحق المزيد من إمعان التفكير في رواية صغيرة لا تقل عظمتها الإبداعية والفكرية عن الملاحم الأدبية الخالدة, برع المترجم الأديب الأستاذ يوسف نبيل في نقلها بلغة بليغة محكمة وأنيقة, مضيفًا للمكتبة العربية بثراء وتفرد هذا العمل المتميز المشوق.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.