مُذنب….قصة قصيرة يكتبها حسن عبدالهادي


 

مُذنب….قصة قصيرة

حسن عبدالهادي

أحبها منذ صغره،فهي ابنة الأستاذ سامح جبلاوي جارهم في الشقة المقابلة،ولكن هل تأتي عاطفة الحب مبكرًا أثناء الطفولة؟،من خلال تجربته يقول نعم،ولكنها كانت مشاعر استثنائية،تذكر رؤيته لها وهي تذهب إلى المدرسة ب”البلوزة”البيضاء وحمالات الصدر الكحلية اللون،تضع على شعرها الناعم الطويل شريطة حمراء،تورد وجنتيها أكسبها جمال طفولي برىء..

منذ أن رآها شغف بالتطلع إليها،وانتقى مواعيد بعينها ليخرج ويلتقيان وجهًا لوجه،في البداية،تطلعت إليه بتساؤل أقرب للفضول،ثم صار الفضول تعجبًا،كان والدها يمازحه ويداعبه ويطلب منه إبلاغه تحياته لأبيه..

عرف بعد أيام أنها معه في نفس المدرسة،ولكنها تصغره بعام،لم يمنعه هذا من الوقوف على بعد خطوات من فصلها الدراسي للتطلع إليها،وعندما أحضر الأب ابنه وسأله عن شروده اكتفى الفتى بالصمت،وحدته دون أخ جعلته منطويًا على ذاته منكفئًا على نفسه،ينظر إلى أمه المتدينة الجالسة على سجادة الصلاة تقول تحيات التشهد الأخيرة،يحبها للغاية،يراها رمزًا للطهر والنقاء..

بمرور بضعة سنين كبرت الفتاة،صحيح أنه لم يعد يراها كثيرًا ولكنه كلما رآها ازداد تعلقًا بها ،لقد كبرت وازدادت جمالًا،وتغيرت بعض معالم جسدها لتزيده رغبة بها،مازال شعرها الطويل يجذب اهتمامه،رآها ذات مرة وهي تذهب إلى درس من دروس الثانوية العامة،وتصادف حضوره لدرس كان فيه،وأثناء خروجهما التقت العينان،وكان مجرد تقابلهما يوحي بكثير من التساؤلات،قبل أن تبتسم ذات مرة وترحب به..عاد مسرورًا سعيدًا،صحيح أنه أجابها بخجل ولكن في المرة القادمة سيحدثها بكل حماسة..

قبل موعد الدرس،تأنق،صفف شعره بعناية،وضع عطرًا باريسيًا يناسبه،وذهب،جذب أنظار أترابه،لم يرونه هكذا من قبل،سخر منه أحدهم مخبرًا أنه كان يصفف شعره بزاوية جانبية،قبل أن يصففه لأعلى..لقد تغيرت،كانت هذه إجابته..

ورآها وهي تخرج من الدرس وتبتسم ملوحة له بيدها ببساطة،و وقفا يتحدثان،كلام برىء عن الامتحانات واقترابها،ولكنه يحمل في مغزاه الكثير،قبل أن تلوح له وتخبره أن عليها أن تذهب،وتمنى لها التوفيق..

وفي آخر أيام امتحانات أخبرها بحبه لها،وكانت كلماته مفاجئة لها،توردت وجنتاها خجلًا،وقالت له كلمة تحية مقتضبة وانصرفت،وزاده هذا رغبة بها وشوقًا إليها،وعاد شاعرًا بانتصار شخصي لأنه أباح بما أخفاه لسنوات طويلة..

وتصادف التنسيق أن يكونا في كلية واحدة معًا،وكأن القدر يصر على جمعهما،وكانت سعادته بالغة،سيراها في الجامعة يوميًا،وقد تقابلا كثيرًا وتحدثا،وعندما أعاد تكراره لاعترافه الذي مر عليه عامان أخبرته أنهما مازالا يدرسان ثم تركت الأمر له لإخبار أبيها،لقد كان يسعى لخطبتها فذهب مسرورًا لأبيه وأمه وأخبرهما،لمح الابتسامة في عينيّ أبيه والوجوم في عينيّ أمه،لم يدرِ ما السبب و والده يطلب منه أن يوطد علاقته بها حتى يتسنى لهما الخطبة عقب انتهاء سنوات الجامعة..

ولكنه ذات يوم سمع شجار بين والديه،وكانت المرة الأولى التي يراهما فيه عصبيين هكذا،ثم سمع من أمه اعتراضها على تلك الخِطبة لأن الفتاة ليست مُحجبة،وكيف يقبل ابنها أن تخرج للشارع هكذا،وأنها غير موافقة ..

شعر بحزن عميق،وحملت ملامحه كثير من الأسى،قربه والده إليه وأخبره أنه طالما يريدها فسيزوجها له،وازدادت علاقة الشاب والفتاة بالكلية،وصارا في حكم المخطوبين،والكل يعاملهما على هذا المبدأ،وفي إحدى الأيام طلب منها أن تخرج معه،اعترضت في البداية،ولكن الرجاء في عينيه جعلها توافق،ذهبا معًا إلى النادي،هما أعضاء فيه،جلسا في مكان وأخذا يتحدثان،كان شوقه إليها كبيرًا،الوقت ليلًا،والمكان شبه خالي،ولكنه شاعري لأقصى درجة،رن هاتف المحمول للفتاة فأجابت أمها أنها مع صديقاتها،ثم لامت نفسها وأخبرته أنها كذبت على أمها من أجله،ثم فوجئت به يقتحمها بكل جرأة،يقبلها في شفتيها بكل احتياج،قاومت في البداية غزوته العنترية المفاجأة تلك قبل أن تستسلم له،لقد راق لها شفتيه وقبلته فاستجابت وتجاوبت معه..

عندما عادت لبيتها جلست على فراشها وشعرت بضيق شديد،ما كان ينبغي لهما أن يفعلا هذا وهما ابنا عائلتين محترمتين اجتماعيًا،وعندما رأته طلبت منه ألا يحدث هذا مرة أخرى فوافق ظاهريًا،ثم تكررت اللقاءات والقبلات،وفي كل مرة يزداد الشوق،وكانا ينظران حولهما للاطمئنان على عدم وجود أي شخص بالمكان قبل أن يقدما على فعلهما..

تمت الخطبة رغمًا عن الأم وكانت ليلة سعيدة وعقب عودته سأل الابن والدته فلامته لأنه أمسك يد الفتاة وقد تأبطت ذراعه قبل أن يرقصان رقصًا هادئًا ويتلامس جسديهما،أخبرها أن شهور قليلة ويتزوجان،لقد انتهت الجامعة وهو الآن يعمل والكل يشارك في تجهيز عش الزوجية،فأخبرته أنهما مازالا في فترة الخطوبة..

تحولت العلاقة العاطفية عقب الخطوبة لشوق أكثر،وصار تقبيل الاثنين لبعضهما عند كل مقابلة بينهما شىء عادي،في النادي،في السيارة،سيارته أو سيارتها،لقد تعاملا على أنهما زوجان،أو هو من أقنعها بهذا..

مع اقتراب موعد القران بدأت الخلافات بين الأسرتين،وكان سببها الوالدتين،وتطورت تلك الخلافات حتى صار التوفيق بينهما شبه مستحيل،لقد أصرت أمها على أن يحجزان قاعة كبيرة للفرح،وطلبت أمه أن يكون كتب كتاب فقط،ثم ساءت العلاقة بين السيدتين وانحاز كل طرف لهما،ثم حدث الفراق،أو الافتراق..

شعر الشاب بحزن كبير وأمه تسأله ودمعة ساخنة تنزل على عينيه بينما الفتاة تبكي منهارة على فراشها،تذكر أشياء قام بها قبل الزواج،أهو عقاب إلهي؟،لقد كانت قبلاتهما كثيرة،عشرات وربما مئات المرات،ثم ها هما ينفصلان دون قران،أكانت والدته محقة عندما طلبت منه ألا يلمسها أثناء خطبتهما؟أكان يقرأ الغيب ويظن أنهما سيفترقان؟وكأن والدته شعرت بما يدور في خلده فقالت له”لو كتب الله لك خطبة أخرى،فلا تظلم بنات الناس معك يا بُني”..

#جريدةالفكرالحُر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.