الكاتب إيهاب فاروق يكتب عن حَمْلة الريس بَحْلق!


إيهاب فاروق يكتب عن
حَمْلة الريس بَحْلق!

صباح مفعم برجفة غريبة, لا أظنه سيمر علي بسلام كمعظم الصباحات, إذا نظر إلي وأمعن في النظر, وتفحصني بعينيه المفنجلتين اللتان لا تستقران في محجريهما أبدًا, وتتفرسان في كل شخص يمر عليه ومن كل اتجاه, لم يخطيء أبدًا من سماه بذلك الإسم الذي التصق به “بَحْلق”, فصار معروفا به منذ أن سقط على سكان تلك الحارة المسالمين كقط بلدي أجرب, لم يجد فيها بيتا يأويه, فأبرز مخالبه وتشبث بكل مارٍ فيها, لا يترك كيسا محمولا يمر من أمامه إلا نفضه بعينيه وقلب فيه, والويل كل الويل بل وسواد الليل لكل من بَحلق فيه هذا اللعين ووضعه تحت المنظار, فلابد له من تحمل عواقب تلك البحلقة في أغلب ساعات النهار, وقد يمتد معه التأثير إلى اليوم التالي!
أعود من عملي مع تباشير الصباح, بعدما أكون قد قضيت الليل بأكمله في نوبة عمل لا تعرف للنوم سبيلا, فأحمل الشوق لفراشي بلوعة انتظار المحبين ونشوة تلاقيهم بعد طول فراق, ولا تكاد عيناي الزائغتان من كثرة السهر أن تفرقا بين هيئة المحروس بَحلق المستلقي على أريكته على ناصية الحارة, ويتقلب على حشيات مساندها الخضراء المزيتة وقد فارقت الغسيل منذ زمن بعيد, وبين تفرسات غريمه “حَمْلة” المتنطع في مواجهته على الناصية الأخرى, ويبدو أنه سيمارس هو الآخر خصلته التي تفوق بَحلقة بحلق و”سيتحملج” علي؛ وقد يتأهب ليرمي بلاه, ولابد أنه سيخرج مني بأي مصلحة والسلام .
ولكن, ولحسن حظي .. فقد انشغل الاثنان بعراك جديد, شيء ما يتعلق بثأرٍ باقٍ بينهما قديم؛ لطالما سمعنا به, ولم نعرف بالتحديد من كان الباديء منهما أولا, إلا أن مسألة عراكهما في أي يوم هذه قد ظلت محل امتنان من كل سكان الحارة, فهي تكفيهم شرهما في ذلك اليوم على كل حال, ويتضرعون إلى الله عز وجل ألا يعودا لذلك الوفاق المصطنع بينهما أبدا, فسيكون شره مستطيرا على الحارة وأهلها, حتى أنهم لا يتمنون أن يجهز أحدهما على الآخر, ففي ذلك شر وبيل على الجميع, ولا يعدله إلا شر اتفاقهما معا, فستزيد نيران انتقامهما تأججا وستطال الجميع!
يربح الأخيار حتما إذا ما تعارك الأشرار, فلو لم يقض أحدهما على الآخر ويكسر له عينا أمام الجميع, فستظهر حتما جراء عراكهما بعض الأسرار, هكذا يقول الحكماء, لكن يبدو أن حكمة الحكماء لا تسري كذلك على بَحلق وحَملة, فما يلفت النظر أنهما لا يتصالحان أبدا إلا إذا سخط الكبار على الحارة, فيكون عقاب الحارة أن ترى الشر أضعافا مضاعفة, أما اختلافهما فيكون بحساب وعندما يريد الكبار شيئا ما ليمر دون سؤال, فتعيش الحارة في رغدٍ مؤقت ولو لبضعة أيام, ثم تعود ابنة المحروسة ريمة لعادتها القديمة .
لكن في ذلك اليوم لم يكن الخلاف محسوبا ولا مرتبا, بل خرج تماما عن السياق المرسوم لهما, فالخلاف هذه المرة كان على المصلحة, وهذه لا يجب أن يرسمها الكبار أبدا, فمنذ أن داست قدما بَحلق أرض الحارة وهو يتعهد توزيع السجائر المحشوة, ولا تكاد سيجارة محشوة واحدة أن تباع إلا ويأخذ بَحلق نصيبه منها, والكل يعلم أنه قد أرشد عن أمه ذاتها عندما أرادته أن يظل صبيا يتعهد التوزيع, فشيد سقف طموحه على أنقاض انهيار سقف أمه, التي ماتت قبل انقضاء مدتها في السجن, إلا أنه ما زال يُذِّكر أهل الحارة بالقبض عليها, بل ويؤنبهم على فعلتهم ويَمُن عليهم بأنه قد سكت عمن أبلغ عن أمه, وكأنه الذئب البريء المقتول بدم ابن يعقوب, لكن أن يأتي ذلك “الحملجي” المسمى حَملة ويقفز على مصلحته ويضع “فاترينة” أمامه, وهو بعد لم يزل “ابن امبارح” فهذا لن يكون!
مررت بينهما بسلام وأنا أحمل كيس طعامي, لم أعكر صفو عراكهما والحمد لله, فلم يهتما بي, لم يكن العراك يخص سكان الحارة على كل حال, لكن ترامت لمسامعي “شرشحات” من بقايا فرش ملاءتيهما على الملأ, وقد علم الجميع تاريخهما هذا الأسود, وحكايا تضاريس وجه أحدهما المتشرح بالعلامات من آثار وخز الأنصال من بقايا ما مر به من مواجهات, وكيف أن الآخر قد فعل من الجرائم ما تنوء به دفاتر الأقسام, فأطلقوه اتقاءً لشره!
يعلم بَحلق جيدا أنه وحَملة من العصي المتسخة التي يُضرب بها, ولابد أن لتلك العصي كسرة وستستبدل وتلقى إن عاجلا أو آجلا في أقرب صندوق للقمامة, لتنال مصير عصي أخرى تراكمت عليها الأوساخ وتكسر معظمها, بعد أن أدركتها عصا العدالة التي تحرص دوما على نظافتها واستقامتها أمام الناس, لذلك يحرص دوما على خطب ود الكبار والتواصل معهم, ليؤخر ذلك المصير الذي سيلقى فيه, وفي كل يوم يتباهى بحافظة أرقام هاتفه المحمول التي تكتظ بمن يعرفهم ولا يعرفهم من الكبار, فلابد أنه سيحتاج لأي منهم يوما.
أما حَملة فقد زاده الله عبطا فوق بلاهته الواضحة للعيان, فلم يكتف بالقفز على مصلحة بَحلق؛ بل ويريد أن يزيد الحارة فاترينة مخدرات جديدة خاصة به, ويظن بأن الكبار حتما سيقفون في ظهره, فلطالما قد ضربوا به من يريدون ضربه, حتى بَحلق ذاته, لكن بَحلق لم يتركه بالقطع ولم يتوعده ككل مرة, بل أشاح في وجهه وحطم له الفاترينة, واستولى على كل البضاعة, وقال له كلمته المأثورة دوما في تلك المواقف .. اشتكيني!!
لن يستطيع حَملة أن يفعل ذلك بالقطع, رغم محاولاته المستميتة بالفعل لبث شكواه المبطنة للكبار, واكتفى الاثنان بتلقيح الكلام على بعضهما في الحارة, وبدا أنهما لن يعودا للوفاق أبدا رغم إرادة الكبار, فعادت الحارة لهدوء كانت قد افتقدته لسنوات طويلة, وعم الرَغد والرخاء ..
نعمت بنوم عميق كنت قد افتقدته طويلا, ويبدو أن الحارة كلها قد نامت في هناء في الليل والنهار, حتى صحا الجميع على صوت صراخ السيارات الزرقاء, فقد تم القبض على بَحلق وحَملة!
صباح جديد مفعم بالأمل, عدت فيه من عملي كالعادة مع تباشير الصباح, أحملق كيس طعامي وأمني النفس بنوم عميق, فاستقبلني على باب الحارة “دقدق” المستلقي على أريكة بَحلق, و”سنجق” المتنطع مكان حَملة في مواجهة دقدق, ويبدوان على وفاق غريب, فعلمت بأنني لن أنعم بالنوم طويلا هذه المرة, فلابد أن عقابا جديدا من الكبار سينزل على الحارة!

تمت
#إيهاب_فاروق
17/12/2020

2 Comments

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.