حكاوي الجمعة الحلقة 2 نهاد كراره تنازلات و مكتسبات الحب


حكاوي الجمعة

نهاد كراره

الحلقة الثانية

تنازلات و مكتسبات الحب

الفيديو هنا

المشاعر كلها لا يوجد بها أي نوع من أنواع القواعد الثابتة  فهي مهما كانت منظمة ففي مجملها عشوائية و غير محسوبة العواقب نهائي

من الممكن  بقاء المرء طيلة عمره يبحث عن علاقة ما ومشاعر معينة مرسومة بدقة فى عقله ومحددة بطريقة معينة داخلك لكنك لا تجدها أبدا

وحينما يمنحك القدر علاقة جميلة لكنها ليست كما المرسوم بعقلك رغم جمالها و رقتها الا انك ترفضها بالغم من أنك اذا فكرت قليلا لرأيت أنها أفضل الاختيارات لك

والأنسب لك تماما ربما كتبها الله لك لأنه يعلم أنها الأفضل و الأنسب لك تماما

وربما بل على الأرجح هي العلاقة المناسبة التي ستغير حياتك للأفضل دوما

فكلما كنت فى علاقة مع شخص يحبك حبا صادقا سيكون العالم أفضل كل مرة

فهو الشخص الذي سيمنحك احساس جيد عن نفسك دوما

يرى فيك المميزات التي لن تراها فى نفسك أبدا بلأنه سيرى مميزاتك التي قد تراها عيوب

وسيكتشف بك الجميل دوما كل يوم  ويتقبل كل تداخلاتك و تناقضاتك التي تقلب عقلك رأسا على عقب

فيرتبها و يرتبك و يتعايش معها و يتقبلها بل و يحبها

يحب كل غرابتك و اختلافك

ويمنحك الأعذار و الحجج حتى تتعجب كيف يسامحك و يبرر لك كل شىء

المشكلة فى الأمر أنك قد لا تنتبه أنه هو هديتك من الله

فتعتبر وجوده خطأ فى حياتك   او قدر غير مناسبا لك

مرحلة ما أو عقاب لك مجرد نصيب خطأ

لكن فجأة و بقسوة قد يرحل يتركك أو يرحل بالموت فتجد نفسك وحيدا فى صحراء الحقيقة

ويبدأ عقلك يفكر بتلقائية بكل ما مر معه فتكتشف كل الحقائق الغائبة عنك وكل الجمال الذي

غاب عنك

 

كما حدث مع توفيق الحكيم،

ولد توفيق الحكيم  عام 1898 وتوفى 1978

كان معروف بلقب عدو المرأة الى أن مر العمر سريعا وأصبح وحيد جدا وولد داخل كل السيدات من حوله خوف منه من عدو المرأة الوحش الذي سيأكلهم على حين غفلة

عاش سنوات طويلة على هذا الوضع لم يعترض على اللقب بل راق له لأنه كان يزيد من شهرته كذلك كان يستفذ بعض الفتيات لتقترب منه

لكن احساسه بقطار العمر الهارب من محطته جعله يحاول العثور على زوجة مناسبة له

لكن من أين له ذلك و جميع العائلات تخشى على بناتهن من عدو المرأة

قال عن حالته ( لقد لبثت الأعوام أبحث حتى بلغت الكهولة دون جدوى، فمنذ شبابي فوق رأسي لافتة أو «يافطة» مكتوب عليها «عدو المرأة».. إلى أن كاد ينحدر بي العمر إلى الحد الذي يحتم اتخاذ قرار في أمر الزواج قبل أن يفوت الأوان، فاستخرت الله وقمت أسأل وأبحث، فإذا الأبواب كلها تغلق في وجهي، أنا الذي كنت محل ترحيب العائلات وأنا وكيل نيابة، وعلمت أن وصف «عدو النساء» قد أخذ على سبيل الجد.. وما من فتاة في سن الزواج تسمع بأسمي حتى تصيح في أهلها: أعوذ بالله.. إياكم أن ترموا بي إلى عدو المرأة هذا!

كل امرأة كانت تتصور إني وحش وسيأكلها.. أو سفاح سيخنقها!

كمان حكي قصة حصلت لصديق له و هو بيدور له على عروسة و قالها بطريقته الجذابة فى الحكي فقال

ما من صديق كلفته أن يبحث لي عن عروس إلا وفشل في مهمته.

وعاد قائلا: نعمل لك آيه.. النسوان خايفة منك!

وجاءني ذات يوم صديق عزيز متطوع رثى لحالي وصمم على أن يجد لي عروسا بأية طريقة.

-لكنه عاد بعد أيام يقول لي: أنا كنت على وشك ضرب صديق قديم بحذائي من أجلك!

وحكى لي ما حدث قائلا: انه كان مدعوا على الغداء عند صديقه الحميم هذا، وكانت له بنت كبيرة متعلمة مهذبة وأخرى صغيرة لا تقل عنها تعليما وتهذيبا، وبعد شرب القهوة قاده صديقه إلى مكتبته وأشار إلى رف صفت عليه كتب مجلدة بماء الذهب.

وقال له بإعجاب: أنظر.. هذه مؤلفات توفيق الحكيم.. إني أعتز بها كل الاعتزاز.. وإني من أشد المعجبين به.

فانتهز صديقه الفرصة..

وبادره قائلا: مادمت معجبا به هذا الإعجاب وتحتفظ بمؤلفاته مجلدة بالذهب فانه يسرك ولاشك أن تعلم أنه الآن عازم على الزواج وأنا أرى أن ابنتك الكبرى تصلح له جدا.. فما رأيك؟

وإذا بصاحبي المسكين يفاجأ بهذا الصديق القديم الحميم والد البنت ينتفض غضبا.

ويصيح به في سخط وهياج: ما هذا التهريج يا رجل.. هل أصابك الجنون حتى تتصور إني أزوج بنتي لهذا الفنان البوهيمي الحشاش الأفيونجى؟!

بهت صديقي..

وقال: حشاش أفيونجى.. ده طول عمره ما دخن سيجارة!

-قال الوالد المحترم: اسكت بقى اقفل الموضوع.. أنا كنت فاكر انك صديق عاقل مخلص.. عمري ما كنت اصدق انك تطلب مني أوقع بنتي الغالية الواقعة السودة الهباب دي.

نفى صاحبي محتجا وهو يصيح: وأنا كنت فاكر انك شخص مثقف.. بني آدم.. عمري ما كنت أصدق انك حيوان جاهل بالدرجة دي.. اخص عليك.. منحط مغفل.. عديم الفهم والإدراك.. سلام عليكم، وخرج من بيته وقد تمت القطيعة بينهما بسببي!

كما  حكي عن محاولته لعرض الموضوع على هدى شعراوي لأنها تعرف جمهور من النساء و حكي  القصة قائلا 

استقبلت السيدة الزعيمة بالترحاب في صالون قصرها المشيد على طراز العمارة الإسلامية في مكانه الذي كان مطلا على ميدان التحرير وقبل أن أتفوه بكلمة.

بادرتني هي بقولها: هل مازلت عدو المرأة؟

وما كدت أن افتح في لأوضح الأمر وأبسط لها سبب زيارتي حتى سبقتني هي إلى الكلام بقولها: هل عرفت أن عند بناتنا فكرة عقد محاكمة لك؟

محاكمة؟

قلتها وقد فوجئت بالفعل بذلك وفي وقت مجيئي لطلب الزواج

قالت السيدة هدى شعراوي: طبعا.. لأنك عاوز ترجعنا لعهد الجواري!

وأخذت السيدة الزعيمة تسرد لي ما سبق أن كتبته عن وجوب دخول المرأة المطبخ، ثم عما علمت به من إدلائي بحديث صحافي أجنبي شبهت فيه الزواج بالسيارة، وقلت ان السيارة تسير بأربع عجلات، فلماذا لا يسير الزواج بأربع زوجات؟! زوجة للمطبخ تجيد الطهو.. وزوجة للحديث تجيد الكلام وزوجة للخروج تجيد رفقة الطريق، وزوجة للعمل تجيد التفكير، وأن هذا التنويع في الزوجات يفي بكل الطلبات ويقوم بكل الاختصاصات، وهو ما لا يتوافر ويتجمع في زوجة واحدة، وإذا اخترعت يوما سيارة بعجلة واحدة، فقد نأمل في زواج كامل ناجح سعيد بزوجة واحدة!

قالت هدى شعراوي كل هذا..

بينما أنا أفكر في المصيبة التي تقع على رأسي.. إذا أقيمت حقا محاكمة تواجهني فيها بكل ذلك حضرات النساء. عندئذ سوف يقضى على كل أمل لي في الزواج.

ورأيت أن المخرج أن أواجه الموضوع بشجاعة.

فقلت لها: لقد جئت للصلح!

الصلح؟

قالتها الزعيمة وهي تتفحصني بنظرة طويلة لتتأكد من جدية قولي.

وبادرت بشرح قصدي قائلا: لقد جئت أطلب مساعدتك في الزواج.. زوجة واحدة والله العظيم.. زوجة تتفضلين أنت باختيارها لي.. نعم زوجة واحدة فقط.. ولو على سبيل التجربة والاختبار!

تجربة واختبار!

قالتها في دهشة واحتجاج.

وفطنت أنا إلى أنها زلة لسان مني لعنت غلطتي التي تكشف عن نية لا تبشر بالخير!

وحاولت جاهدا أن أزيل هذا الفهم من ذهنها ومكثت عندها وقتا أقنعها بحسن نيتي. حتى هدأ خاطرها وابتسمت ورضيت أن تختار لي عروسا.

وكانت هدى شعراوي سيدة فاضلة عظيمة متسامحة..

فقامت على الفور واختارت لي واحدة من المقربات إليها المخلصات للعمل معها في حزبها النسائي غير أنني ما كدت أن اعرف ذلك حتى دب القلق في نفسي!

فقد أدركت أن مثل هذه الزوجة سوف تجعل من بيتي فرعا تابعا لمركز نشاط حزب النساء سوف يمتلئ منزلي بأعضاء وعضوات الحزب والصحافة ووجع الدماغ!

أنا الذي ابتعدت عن الأحزاب السياسية جميعا لاحتفظ باستقلالي في حياتي وتفكيري؟!

هكذا لم تنجح هذه المحاولة أيضا.

واستمرت بعد ذلك المحاولات وكلها باءت أيضا بالفشل حتى دب في نفسي اليأس. وتركت لله تعالى في علاه هو الذي يختار لي الزوجة إذا كان قد قدر لي الزواج وهو أدرى بي وبما يصلح لي وبما يناسب طبيعتي التي خلقني بها..

وهي – طبيعتي تريد امرأة بجانبي.. تشعرني دائما بأنها غير موجودة!)

بالطبع كلماته عن طبيعته توضح شخصيته المنغلقة الغريبة نوعا ما و التي يصعب مع أي فتاة التعامل معها

روى مصطفى أمين     قصة حب توفيق الحكيم  قائلا 

كانت تناقش كل مقالاته… ولم يلبث أن أحسّ توفيق أنّها تراه الرجل الوحيد في العالم… وكانت ترى فيه كل الأساطير التي كتبها… فأدمن توفيق زيارة صديقه ضابط الجيش… وأحسّ أنّ شيئاً خطيراً يتحرك في أعماقه كالوحش الكاسر… حاول أن يمنع نفسه… يسترد كبرياءه كعدو النساء… وكان يفشل في كل مرّة، ويكاد يبكي على عرشه الذي اهتزّ بشدّة أمام الآنسة (سيادات)».
طلبها للزواج ليرضي قلبه، ووضع 15 شرطا قاسيا لتوافق عليها العروس قبل زفافهما… قال لها الحكيم:

«لي شروط للزواج… ألا يعرف أحد أنّنا تزوجنا لأنّني أريد أن يبقى هذا الزواج سراً لا تعرفه إلا أسرتك، وألا ينشر هذا الزواج في الصُّحف لا تلميحاً ولا تصريحاً، وأن أسافر وحدي إلى الخارج من دون أن يكون لك الحق في السفر معي، ولا نستقبل ضيوفا في بيتنا سواء من الرجال أو النساء، وألا أصحبك في نزهة أو رحلة، وأن يكون مصروف البيت (200) جنيه لا تزيد مليما واحدا، وألا أكون مسؤولا عن مشاكل البيت والخدم، وأن تكون مشاكل كل الأولاد من اختصاصك، وألا تطلبي مني سيارة، وأن تعامليني كطفل صغير لأنّ الفنان طفل صغير يحتاج إلى الرعاية والاهتمام، وأن يكون بيتنا هادئا بلا ضجيج أو خناقات أو أصوات تزعجني لأتفرغ لكتابة ما أريد… وأن ينام كل منا في حجرة مستقلة ولا تتدخلي في عملي».
وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها الكاتب الكبير، أن وافقت الجارة الحسناء على كل شروطه. أعلنت استسلامها أمام كل طلباته، ورفعت الراية البيضاء لتوهمه أنّه انتصر ووصل إلى عاصمة الأعداء! وزُفّت إلى توفيق الحكيم الذي كان يكبرها بعشرين سنة. ومع الوقت، ألغت بنفسها كل الشروط التي وضعها الحكيم قبل الزواج، وكان الحكيم في غاية الرضا وهو يتنازل عن شروطه شرطاً بعد شرط.

كما روى توفيق نفسه   قصة زواجه بكلماته وقال

وأخيرا.. اختار لي الله.. ومن اقرب الطرق فقد كان لي وقتئذ صديق أو على الأصح تلميذ كانت ثقافته هي التي قربته مني فقد كان يترجم أعمال سو فكيس وايروبيديس من عمالقة الإغريق الذين أقدرهم.

رأيته يوماً في الطريق إلى سينما مترو..

وكانت في ذراعه سيدة في نحو الثلاثين فحسبته قد تزوج لكنه أخبرني أنها أخته. وأنه يخرج بها إلى السينما لأن شقيقهما الأكبر اللواء فتحي متغيب وشقيقهما الأوسط الدكتور لطفي الأستاذ المساعد وقتذاك في كلية طب الإسكندرية مسافر في لندن.. وهي في ذلك الوقت وحيدة لأنها مطلقة.

كان والدها قد اختار لها زوجها وهو شاب ممتاز خريج تجارة عليا واهتماماته كلها الأرقام والأعمال الاقتصادية والمصارف، هو من أسرة ميسورة طيبة.. أما هي فاهتماماتها أدبية ودراستها بدأت في المدارس الفرنسية ثم نقلها والدها بعد ذلك إلى المدارس المصرية فتعلقت بالأدب العربي وكلما أراد أن يدفع لها المصروفات أخبروه أنها حائزة على مجانية تفوق.

وكانت من قارئات مجلة الرسالة التي لا يقرؤها وقتذاك غير طبقة المثقفين وكان هذا الاختلاف في طبيعة الثقافة قد جعل التفاهم متعذرا فلم ينجح زواجها.

وانتهى الأمر بأن فاتحت أمر زواجي منها مع شقيقها الأصغر وتلميذي فرحب بالطبع ولو كان والدها على قيد الحياة لرفضني فقد كان يكره كتبي عندما رأى أولاده يقرأون كتابي «محمد» نصحهم بأن يقرأوا بدلا منه كتاب «حياة محمد» لهيكل وان كانوا قد فاجأوه بقراءة كتابي سرا.. لمجرد حب الاستطلاع!

ولولا شقيقها الأصغر فهيم هذا لما تم الزواج أيضا!

فقد كان هو المتحمس لي. وكان له الفضل في تسهيل كل شئ.. حتى وضعت العروس خاتم الخطبة في إصبعها.

وأذكر انها قالت لي قبل إتمام العقد انها تخشى أن يكون شقيقها «فهيم» هو الذي أثر على إرادتي – بطلب الزواج منها – وطلبت مني أن أعيد التفكير جيدا!

وتزوج توفيق الحكيم عدو المرأة

أنجب ابن وابنة و توفيت زوجته في عام 1977 وتوفي ابنه في حادث سير عام 1978 ولم يبق معه معاه غير  ابنته الوحيدة الى وفاته في  1987

 حكى عن حياته الزوجية بشكل عام  قائلا 

وبدأت الحياة الزوجية وبدأ معها الحنين إلى حياة العزوبة والحرية التي اعتدتها دائما رغم أنها  زوجتي

حفظت لي حريتي المطلقة، فلم تتذمر بكلمة أو إشارة وعندما كنت أعود إلى المنزل قرب الفجر أو أدخل حجرتي الخاصة أغلقها على نفسي وأكتب كانت توفر لي الهدوء التام.

وحدث ذات يوم أنها كانت تمر في سيارة «تاكسي» أمام مطعم فرأتني خلف النافذة المفتوحة أجلس إلي مائدة مع شابة شقراء أجنبية دعوتها إلى الغذاء فعادت بالسيارة إلى شقيقها وطلبت منه أن يذهب معها لتريه منظرا يجب أن يراه!

وركب معها شقيقها أرته منظري مع الشقراء.

فقال لها: وماذا في هذا؟ أنسيت أن زوجك فنان.. حاذري أن تحديثه في شيء كهذا!

وبالفعل سكتت..

سكتت أكثر من عشر سنوات كبر فيها أولادنا واستشهد شقيقها في حرب فلسطين عام 1948.

ذات يوم قالت لي وهى تبتسم: ما هي الآن أخبار الشابة الشقراء؟

وكنت قد نسيت ذلك وتلك الشقراء التي كانت مستشرقة أو صحافية أو شيئا من هذا القبيل وعجبت أنها كتمت ذلك في نفسها طوال تلك السنوات.

لكني لا أنسى لها موقفها يوم تعرضت أنا لهجوم عنيف في الصحف.. وكان التليفون يدق باستمرار من معارفها يسألون عن أخباري وهي تتظاهر بعدم الاهتمام لكنها كانت تأتي بهذه الصحف وتقرأ ما فيها من هجوم وشتائم ثم تخفيها عني.. حتى لا تزعجني!

وكان الرئيس جمال عبدالناصر هو الذي انفعل وغضب وعجب كيف يهاجمون كاتبا مثلي لا يستحق هذا الهجوم وأبدى رأيه بأن قلدني أكبر وسام في الدولة!

لهذا.. سكتت الحملة ضدي!

بل أقبل مدبروها يهنئونني!

وعندما تحدد موعد مقابلتي مع عبدالناصر لتسلم الوسام قالت لي زوجت وهى توصلني إلى الباب

مع الشكر للرئيس.. إياك أن تنحني له!

فتذكرت ذلك ونفذته عندما قابلته.

ومع ذلك بعد أن مات عبدالناصر وسمعت اني كتبت «عودة الوعي» وقيل أنه هجوم عليه وكانت هي على فراش المرض همست لي بصوت ضعيف لا أكاد اسمعه تعبر عن استنكارها لما كتبت!

ولم تكن في حالة أشرح لها فيها السبب.. وهو تمزقي بين الوفاء والوطنية عدم احتمالي أن أرى في مجلس نوابنا رقصا ونحن في كارثة الهزيمة!

ويكشف الحكيم أي حياة صعبة عاشتها زوجته وعياله أيضا مع رجل فنان مثله. لكن أفكاره العائلية جامدة حادة!

فيقول: ولم تكن حياتي الزوجية لها ميسرة فأنا زوج من طراز أزواج القرن التاسع عشر.. لا اختلاط.. لا خروج لزوجتي معي وأكثر وقتي وحدي في حجرتي الخاصة مع كتبي وأوراقي.

كان أصدقائي يتراهنون على أني لن أمكث في الزوجية غير شهور قليلة ثم أتخلص منها أؤلف كتابا بعنوان «هكذا تزوجت»!

وربما جال ذلك بخاطري فعلا!

لكن زوجتي لم تعطيني هذه الفرصة!

ولم ترتكب الخطأ الذي يبرر هذا الإجراء ولذلك مرت الأعوام والزوجية باقية ومستمرة في طريقها الطبيعي.

كانت تحدث بالطبع خلافات عائلية من وقت لأخر ولكن الزوجة العاقلة كانت تحلها بهدوء في ولا تحشر أحدا من أهلها فيها وتحرص على أن تخفيها عن الجميع.

ولم يحدث يوما أن تركت بيت الزوجية غاضبة ولو لساعة واحدة!

وقد حدث مرة أن غضبت أنا أخذت حقيبتي لأخرج وأقيم في فندق. لكنها جرت خلفي وأخذت مني الحقيبة وأعادت لي هدوئي!

وفي اعتراف جميل صادق يروي كيف صنعت هذه الزوجة الرائعة حبا من نوع خاص يربطه بها وهو الذي لم يعترف علنا أبدا بالحب العميق الذي كان يربطه بزوجته.

يقول الحكيم: وضعت زوجتي تقليدا سرنا عليه سنوات حتى رقدت مريضة وهو أن توصلني إلى باب الخروج عند مغادرتي المنزل كل صباح بقبلة!

عندما يتصادف خروجي فجأة دون هذا الإجراء كانت تتصل بي بالتليفون.. لنحقق هذا التقليد اليومي تليفونيا!

لم يكن زواجنا عن حب..

ولم تسمع مني أبدا كلمة حب..

وكانت تعرف ذلك.

وكان هذا هو الشيء الوحيد الذي يسخطني على هذا الزواج وكنت أشكو إلى ربى قائلا:

لماذا يا ربي وأنا الذي أكتب كثيرا عن الحب تجعلني أتزوج عن غير حب؟

إلى أن وصلت إلى الاقتراب من حكمة الله.

وقرأت الآية التي تقول: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) «صدق الله العظيم».

حقا إن الذي بيننا هو «المودة والرحمة» والله تعالى لم يقل «وجعل بينكم الحب والهيام». لماذا؟ لأن الحب والهيام هو الزائل وكم من زواج بني على الحب والغرام فتغير واشتكى الطرفان أو على الأقل الزوجة من أن العاطفة المتأججة أيام الخطبة أو شهر العسل قد هدأت.

ولو تأملوا حكمة الله. لأدركوا أن العاطفة لم تنطفئ ولكنها تحولت إلى العاطفة الأبقى والأثبت وهي «المودة والرحمة» ولإدراكي لحكمة الله في هذه الآية وانه اختار لي في هذه الزوجة الهادئة العاطفة الباقية الثابتة التي ذكرها في قرآنه الكريم. فقد هدأت نفسي واستقبلت بالرضاء حياتي هذه «الزوجية المبنية على حكمة الله»!

وأخذت أرى أن الله قد حباني باختياره هو لي هذه الزوجة الملائمة.

وفي وقت من الأوقات طغى على تفكيري أمر استبد بي وهو السفر إلى باريس مرة أخرى ونحن على أبواب الستينيات كما سافرت أول مرة في العشرينيات لأجدد إلهامي الفني وأكتب عملا كبيرا.

وسعيت للالتحاق باليونسكو.

معنى ذلك أن أترك زوجتي وأولادي لمدة سنة على الأقل. وعلى الرغم مما في ذلك من مشقة للزوجة والأسرة إلا أنها وقفت إلي جانبي وتوسلت إلى الله بدعواتها أن يحقق إلي ذلك.

وسافرت بمفردي..

لأتفرغ لعملي الأدبي والفني ولم أكن متأكدا من السفر لكنها بشفافية روحها. أخبرتني ذات صباح أنني سأسافر يوم كذا سنة كذا كان بالضبط يوم 5 مارس 1959 كما قالت هي تماما!

وكثيرا ما كانت تتنبأ وترى أشياء أفسرها بأنها شفافية روح لأنها كانت عميقة الشعور الديني والإيمان بالله كثيرة القراءة في القرآن والكتب السماوية مثل الكتاب المقدس بعهديه القديم والحديث أي التوراة والإنجيل.

وفي أوروبا..

كانت تسأل عن بيوت الله فيدلونها فتدخل وتضيء شمعة للعذراء وتدعو الله في خشوع!

وكانت حريصة على الشعائر وخاصة الزكاة وكان اعتمادي عليها فيها.

وخاب أملي في باريس..

لكن زوجتي آزرتني برسائلها وكدت أتم سنة في آخرها اقترحت عليها أن تلحق بي في باريس لتشاهدها.

وجاءت..

وكانت من أجمل أيامنا هناك.

وظهرت لي زوجتي في صورة لم أكن أتوقعها منها!

فلم تكن المرأة المصرية التي كانت تصور عادة اللخمة أو التفاهة بل على العكس من ذلك ذهبت معي إلى متحف اللوفر وجعلت تتفحص الصور بكل اهتمام وصبر وتلح على البقاء طول النهار!

وذهبنا إلى دار الأوبرا حيث شاهدت أوبرا «فاوست» المأخوذة عن «جوته» وهي عميقة كما شاهدت معي من الكوميدي فرانسيز مسرحية من أصعب المسرحيات وهي «الحلم» لسترندبرج وشعرت أنا نفسي بشيء من الإرهاق في متابعتها وما أن جاءت الاستراحة حتى أردت الانصراف لكي أنام.

أما زوجتي فقد قالت: ألا تبقى لتتابع القسم الباقي؟

فقد كانت مستمتعة أكثر مني مع صعوبة مؤلف مثل «سترندبرج».

وكانت تتحرك في أرجاء باريس وكأنها تعرفها من سنوات وجاء الصيف ورأينا أن نصعد إلى جبال الألب ونزلنا فندقا تشرف فيه حجرتنا من جهة على الجبل بقمته المكسوة بالجليد ومن الجهة الأخرى على غابة خضراء يمرح فيها بقر في رقابه أجراس صغيرة..

وجاء يوم 6 يونيه وهو عيد زواجنا..

فأردت أن أسرها واحتفل بهذا اليوم وكان يوافق ربع قرن على زواجنا وحادثت في ذلك مديرة الفندق فاقترحت أن تعد «تورتة» مكتوب عليها «ربع قرن زواج» وفي الغداء قدمت هذه «التورتة» كلفنا الفندق أن يقطعها أجزاء يقدم إلى كل نزيل من نزلاء الفندق نصيبا عند الغداء.

سر النزلاء بذلك.

ونهضوا في طابور يقدمون إلى زوجتي الشكر والتهنئة. ومن بينهم شيخ أميركي ومعه زوجته أعلنا أنهما أيضا سيقلدوننا ويحتفلان بمرور ثلاثين سنة على زواجهما.

وكانت زوجتي سعيدة بذلك.

وكانت أول مرة تجد مني هذا الاهتمام بها.

وأنا أشكر الله الذي هداني إلى حكمته.

والى آيته الكريمة عن «المودة والرحمة».. أبقى عاطفة وأثبت دعامة للحياة الزوجية.

 

ورغم أنه لم يخبرها أبدا أنه يحبها لكن كل التصرفات تقول عكس ذلك

كما ان تصرفاتها توضح أنها امرأة عاشقة

كتبت له رسالة حين كان بباريس قائلة 

زوجي العزيز.. لا تعلق أهمية على تاريخ هذا الخطاب فعلى الرغم من أن اليوم أول أبريل إلا أن كل ما سأقوله حق وصدق لقد اتفق الناس على الكذب في أول أبريل واختلف أنا عنهم اليوم.. وصلني خطابك العزيز أول أمس.. وكنت كل يوم أمر على صندوق «البوستة» وافتحه وأحيانا أكون خارجة فافتحه وأعود بعد قليل وأنا متأكدة ألا شيء بداخله فأفتحه. يدفعني أمل واحد هو خطاب منك أصبحت حياتي وأعصابي متوقفة على شيء واحد هو خطاباتك إن وصل خطاب منك فرحة كبيرة نلتف أنا والأولاد حوله ونقرأه بسرور بالغ.

وأسرح أحاسب نفسي.. كيف ارتضيت أن أتركك تسافر؟

وكيف تم ذلك وأنا بهذا الشعور؟

وأعود فأقول أنك لم تتركنا رغبة عندك وحدك بل هي رغبتنا وإحساسنا جميعا نحوك ونحو آمالك وكل ما أرجوه أن تعود إلينا منتصرا، وبذلك أكون قد أكملت رسالتي كزوجة محبة مخلصة بجوارك.

إما من ناحية الإشاعات..

فآخر إشاعة هي انك موجود في مصر ونازل في بنسيون وأن بيننا سوء تفاهم.. تصور ما يقله الناس؟ هذه المهاترات ليس لها جواب عندي.. كل ما ساءني في خطابك انك وجدت باريس قد تغيرت ولذا أخشى أن تكون قد تضايقت.. وعشمي أن يكون عملك محببا إلى نفسك فأنت لم تسافر إلى باريس للفسحة بل لهدف معين.. وكلنا في غاية الشوق إليك.. واخيرا قبلاتي التي لا تعد ولا تحصى.. زوجتك المخلصة «س».

هكذا كانت العلاقة بين «عدو النساء».. وزوجته!

 

فنفهم من علاقتهما انها  منحته الحب و الحنان و الدفء العائلي الذي كان  يحلم به دوما وأنها سخرت له الدنيا كي يبدع أكتر

لكن الجانب الثاني للعلاقة ظهرت بطريقة أوضح حينما كتب  عن لحظة وفاتها وهي من أصعب الأشياء التي سنقرأهاا

قال

يوم الوفاة 29 أبريل 1977 الموافق 11 جمادى الأولى 1397.. الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر.. كان يوم جمعة.. وكنت أنا في الخارج مع أصدقائي..

قدموا لها الغداء..

لكنها رفضت تناوله حتى أعود وتراني

وعدت في الساعة الثالثة.. فطلبت الغداء وأكلت.

ثم همست في أذني: أنت.. حاتحزن عليّ؟

ثم شهقت مرتين: آه..آه

وأسلمت الروح.

ماتت وهي غير واثقة من شعوري نحوها.

فهي طوال حياتنا الزوجية لم تسمع مني لفظ «حبيبتي».

وبعد أيام نهضت ابنتي «زينب» من نومها وهي ترقد قائلة أنها رأت أمها رؤية العين. تظهر لها ثم تركتها واتجهت إلى حجرتي قائلة أنها تريد أن تلقي عليّ نظرة.

لأنها الآن.. الآن فقط.. عرفت أني أحبها!

 

قدروا الأشياء والأشخاص و كل ما هو غال و  بين أيديكم  و اعلموا أن هؤلاء الذين يمنحون المحبة دون مقابل أغلى من أن نمنحهم الاحساس بالتشكك فى مكانتهم أو

أن نعرز فى قلوبهم الحزن والتفكير بأننا لن نفتقدهم حتى بعد الوفاة

الاحساس بعدم الأهمية لهذه الدرجة قاتل جدا ترى كم من المرات قتلت و هي بجواره

تنتظر كلمة تؤكد لها محبته

لا تبخسوا حقوق الأشخاص فى حياتكم ولا تتركوهم لوامات الحزن و التفكير هل نستحق أو لا

فان أبشع احساس فى العالم هو الشك فى مكانك داخل قلب من تحب و يفوقه بشاعة

احساس الندم الذي ستشعر به كل يوم بل كلما ترددت أنفاسك شهيقا و زفيرا

طيلة الباقي من عمرك بعد خذلانك لهم بمنحهم مثل ذلك الاحساس وحينما يرحلون بلا عودة سيلازمك الندم الذي ليس له حل أو علاج

قدروا نعم الله لكم

قدروا البشر داخل حياتكم قبل زوالها للأبد

نهادكراره

حكاوي الجمعة

متوفرة بالعامية المصرية على أكونت الكاتبة

https://www.facebook.com/farashasamawya/posts/10221067526570836

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.