طلقات لا تقتل قصة: بسنت حسين نتاج ورشة “الكتابة والسيكودراما” بمركز طه حسين – جامعة الإسكندرية.


 

طلقات لا تقتل
قصة: بسنت حسين
نتاج ورشة “الكتابة والسيكودراما” بمركز طه حسين – جامعة الإسكندرية.
في احد البيوت المتوسطة بمدينة الإسكندرية يستيقظ يوسف من النوم وينظر بجانب السرير إلى صورة امرأة في أواخر الأربعينات..
يوسف: “النهاردة يوم تخرجي وهحقق حلمك يا أمي كان نفسي تكوني معايا، سبتيني ليه مش قولتي هتلبسيني البدلة بنفسك.. ”
اغمض عينيه ورجع بالذاكرة إلى اليوم الذي غير مجرى حياته
كانت عائلة يوسف عائدة من المصيف على طريق مطروح بالسوبرجيت وكان هناك سيارة محملة بالبضائع وانقطعت الفرامل عن تلك السيارة، وأصبح السائق غير قادر على السيطرة عليها ولسوء الحظ كان السوبرجيت يمر بجانبها في تلك اللحظة، وبسبب انحرافها انقلب السوبرجيت بمن فيه، وعند مجئ الإسعاف ظنوا أن الجميع قد توفي، لكن مع الوقت لاحظوا شخصاً يتحرك كان يوسف الذي خبأته أمه بحضنها لكي لا يصيبه مكروه، واستقبلت هي الموت بدلا منه في مشهد ينزع قلبك حين تراه.

انتبه يوسف على صوت ارتطام النافذة فعاد من تفكيره ذهب ليغلقها وهو يترحم على والدته.

ثم بدأ في الاستعداد لحفلة التخرج، وبعد قليل وصل إلى مكان الحفل وكان الأول على الدفعة بسبب أنه لا يوجد هدف بداخله غير الاصرار على الوصول لحلمه الذي تُوّجَ به اليوم؛ كان في غاية السعادة وعند حلول الظلام عاد إلى البيت، أسرع ليقف أمام برواز كبير على الحائط به صورة رجل تبدو عليه ملامح البساطة والحكمة.

يوسف : من النهاردة بقى اسمي الملازم يوسف ياسين السيد، كلمة حلوة اوي يا بابا بس خايف منها، تفتكر اقدر انفذ العدالة، تفتكر هظلم كام واحد وهو برئ، والأوراق  بتقول انه متهم..؟ خايف التاريخ يتعاد تاني يا بابا ويختلف مكاني، بدل ما كنت في صف المظلوم ابقى أنا الظالم.
وجلس يوسف على أحد الكراسي واغمض عينيه وعاد إلى ذكرياته عندما كان في السادسة عشر من عمره كان والده يعمل سائق تاكسي، وفي أحد الأيام كان يقل راكبة  إلى المشفى
، وطلبت منه الزبون أن ينتظرها حتى تنتهي من الكشف لعيدها إلى منزلها وبالفعل انتظرها وعلى الناحية الأخرى من الشارع كان هناك سيدة تخرج من البنك وبيدها حقيية بها الكثير من الأموال، وكان هناك من يتابعوها بعيونهم، مجموعة لصوص ومعهم سيارة تاكسي مسروقة، وعندما شرعت المرأة في عبور الطريق سرق أحدهم حقيبتها، وانطلقت به سيارتهم بأقصى سرعة، وهنا صاحت السيدة : حراااااااامي.. حراااااااامي
بعد قليل أتى ضابط الشرطة وسألها : هل لاحظتِ نوع السيارة..؟
قالت: نعم كانت تاكسي.
قال الضابط : والأرقام المسجل على اللوحة، هل تذكرين أيا منها..؟
قالت : نعم اتذكرها لكني لست متأكدة س م ع، والأرقام  873 اعتقد 4 لست متأكدة.
(كان هناك رقم خاطئ وهو رقم 4 ولسوء الحظ هذا الرقم كان رقم سيارة التاكسي التي يمتلكها والد يوسف )
بعد أيام تم القبض على والد يوسف سائق التاكسي رقم 8734، والذي ذهب معهم طواعية بعكس ما تم تحريره في محضر الشرطة أن المدعو ياسين عند القبض عليه هرب وطاردته القوات مما أضعف موقف والد يوسف في القضية، ولكن بعد ظهور صاحبة الشهادة التي انقذته – الزبون التي كان يقولها في هذا اليوم – أثبتت برائته بعد أيام عصيبة مرت على الجميع.

رجع يوسف من أفكاره
يوسف : اوعدك يا بابا هعمل اللي اقدر عليه علشان انفذ نص القانون مع روح القانون.

اشرقت شمس يوم جديد ملئ بالحماس، تسلم يوسف فيه عمله، وفي مكتبه دق الباب للمرة الأولى ودخل الأمين :
– تمام يا فندم المدمن البلطجي اللي قبضنا عليه
– يوسف : فك الكلبش واطلع انت.
ثم يوجه كلامه للمتهم
-‏ ‏يوسف: اقعد واقف ليه.؟
-‏ ‏المتهم : هم في الافلام بيقفوا كده
-‏ ‏يوسف : افلام امممممم انت اول مرة تدخل قسم؟
-‏ ‏المتهم: وانت مالك انت مش المفروض تحبسني وتضربني اتفضل يلا ومتقلقش انا معنديش حد يقفلك ولا عندي واسطة تطلعني.
احس‏ يوسف بأن هناك نارا تسكن داخل الشاب الذي يقف أمامه، فكر في أن  مظهره لا يليق ببلطجي، واحس أن عليه إخماد النار أولا.
-‏ ‏يوسف: براحة ياعم علينا دا انا مقولتش غير اقعد وبعدين اعتبرني انا وسطتك ايه رأيك
-‏ ‏المتهم: ده كلام بجد..؟!
-‏ ‏يوسف : بس لازم اعرف الاول ايه اللي وصلك لهنا.

‏ قص الشاب حكايته على يوسف وحين انتهى…

-‏ ‏يوسف: انت قولتلي اسمك أحمد، بص انت زي اخويا الصغير انا مقدر جدا أن اللي حصل ناتج لشدة معاملة الوالد وان خوفه الزائد أدى لإضعاف شخصيتك الله يرحمه بقى بس خلينا معترفين انك في النهاية غلطت غلط كبير وان المخدرات دي مش حل.
‏ ‏- احمد: انا عارف اني غلطت بس هو اللي اضطرني لكده انت وعدتني انك هتكون وسطتي.
-‏ ‏يوسف: بص انا مقدرش اقولك انك هتطلع براءة لانك ممسوك بجرعة المخدرات وضربت وعورت واحد علشان تاخدها منه، ده حق القلمون اللي لازم ناخده منك، بس احنا نقدر نعالج احمد نفسه من جواه واعتبر السجن شئ ايجابي لان هناك مش هتعرف تتعاطى الحاجات اللي كنت بتتعاطاها بره هتساعدني انك تتغير وانا وعد مني هكون جنبك على طول. وهوصي بإبداعك في مصلحة لعلاج الإدمان.

ومد يد لأحمد الذي تردد قليلا قبل أن يرفع هو الآخر يده ويصافحه كان  وبالفعل أحمد.

‏ ‏بعد أسبوع تم تحرير بلاغ عن سيدة متهربة من دفع إيصال أمانة، وبالفعل توجه يوسف إلى العنوان ومعه صاحب البلاغ ولكن عندما وصل لاحظ أنها سيدة يبدو عليها الطيبة فسألها : حضرتك المدعوة امل محمد عبد الرحمن
‏امل: أيوة يا ابني
يوسف: انتي كان عليكِ إيصال أمانة للاستاذ محمد ابراهيم الشيخ بألفين جنيه وهو قدم بلاغ انك متهربة من الدفع.
‏انهارت المرأة وغرقت في بماء مرير، وهي تخبره أن هذا المبلغ كان لتستكمل “جهاز” ابنتها الوحيدة، وأنها كانت منتظمة في الدفع لكن بسبب انقطاع المعاش فجأة لتجديد الأوراق لم تقدر على سد آخر قسط ، أحس يوسف بصدق هذه السيدة التي كانت تقف أمامه في مشهد يمزق القلب وقف في حيرة بين تنفيذ القانون وروح  القانون ولكن في النهاية هو ضابط ولابد من تنفيذ القانون.
– ‏محمد إبراهيم: انت مش عايز تقبض عليها ولا ايه ولا هي متوصي عليها من فوق لا انا عايز حقي
– ‏يوسف: اتكلم عدل انت حقق هيجي.
– ‏محمد: اما نشوف.
‏  أخذ يوسف الجميع إلى القسم و في مكتبه.
– يوسف: متعرفيش حد يقدر يتصرفلك في الفلوس قبل ما افتح المحضر يا ست امل.
– ‏امل: ملناش حد يا ابني احنا غلابة.
– محمد إبراهيم: في ايه يا حضرة الضابط هي مش قدامك ما تعملها المحضر وتحبسها ولا هي معاها واسطة.

‏يوسف: بطل الغاغة بتاعتك دي، وطلب قهوة شربها ببطء وحاول الانشغال بقراءة بعض الأوراق ليؤخر فتح المحضر على أمل أن تأتي لهذه السيدة المساعدة، وبعد فترة دق الباب ودخل رجل في العقد الثالث من عمره وقال: انا جار الست امل ومعيش غير الالف جنيه دي ممكن الاستاذ ياخدها لحد ما نقدر نجمع المبلغ
– ‏محمد: لا انا فلوسي تيجي على بعضها انا عندي التزامات.
– ‏يوسف: يا استاذ محمد شغلك مش حيقف على الف جنيه وميرضكش برضو الست دي تتحبس على مبلغ تافه.
– ‏محمد: هو انتوا مش الحكومة والمفروض تقفوا مع اللي ليه حق الست دي نصابة أكلت فلوسي، ولا هي فوتت لكم حاجة.
– ‏يوسف: احترم نفسك يا راجل انت بدل ما ارميك في الحجز،  الست قدامك اهيه مش قادرة تدفع حتى القسط اللي عليها، وعموما مشكلتك الالف جنيه اللي باقية اتفضل كده المبلغ كامل.

‏كان يوسف قد استكمل المبلغ من حسابه الخاص، لم تصدق الست امل نفسها ظلت تبكي من الفرحة التي غمرتها و تشكر هذا الضابط الإنسان، ثم عادت لبيتها آمنة.

‏انتهى دوام يوسف وعند خروجه من المكتب عرض عليه زميله الضابط آدم الغداء معا فوافق، ‏لاحظ آدم أن زميله في حالة صفو كبير فسأله عما به فقص عليه قضية الغارمة وأنه يفكر كم من الأمهات المحرومات من أولادهم بسبب دين صغير،  وسأل صديقه ماذا يحدث لو بمبلغ بسيط كل شهر أدخلنا الفرحة على قلوب هؤلاء الناس.
تحمس ادم جدا لفكرة صديقه التي عرضها معه  على كل من بالقسم الذي انتشرت هذه الفكرة منه الى معظم  اقسام المحافظة، ثم ما لبثت عدوى تلك الفكرة الإنسانية التي تحولت إلى مبادرة أن انتشرت في أنحاء الجمهورية واستدعى وزير الداخلية يوسف وعرض عليه أن تكون لمبادرته التي أطلقها شكلا قانونيا تابعا لوزارة الداخلية، انشرح قلب يوسف بهذا الخبر وأخبر معاليه أن الضباط راغبين في التبرع بجزء من مرتباتهم لتحرير بعض الغارمات في كل مناسبة.
رجع يوسف إلى البيت ونظر لصورة والده ثم قال: النهاردة بس تقدر تفتخر بيا، قدرت أوفق بين نص القانون وروح القانون برغم كل الطلقات اللي حسيت بيها في حياتي لكن مقتلتنيش كإنسان، تقدر تقول يا بابا كانت طلقات لا تقتل.
‏وبالفعل أقامت الوزارة حفلا في كل مناسبة لتحرير  مجموعة من الغارمات، واشتهر يوسف في أنحاء مصر “بضابط الغلابة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.