هناء مطر تكتب حارس المقابر


 

ما أشبه الليلة بالبارحة،نفس السماء ونفس النجوم والقمر شاحب،نفس دقات الساعة والوقت لايمر بل يتباطأ،الجدران لها آذان تسمع حديثي كل ليلة مع الأموات وها أنا أنتظر جثمان فتاة ماتت منذ سويعات قليلة جراء حادث سير، لا أعلم هل كان حادث أليم حقا أم كان راحة لها؟!
حسنا سأنتظر ونشاهد معا هنا في المقابر
المقابر؟!
نعم…أنا حارس المقابر
أعيش هنا منذ ثلاثين عاما ، هذه غرفتي الصماء البعيدة عن العالم
المذياع لا يتوقف عن إذاعة القرآن الكريم و الساعة معلقة على الجدران وبداخلها تصرخ الدقائق والثواني

لا أتحدث مع الناس كثيرا، فأكثرهم حمقى يتلاعبون بالألفاظ والكلام معهم يليق بالببغاوات

أما الحديث مع الأموات فهو أيسر كثيرا من ذلك

وها قد جاءت الجنازة
وعلى صوت صراخ النساء الكاذب، وااه منهن!
فدموعهن دموع تماسيح وبدون مساحيق التجميل تظهر على وجوههن الحقائق

يغادر الجميع المقابر وتعود الحياة لهم كما كانت
يتذكرون الموتى في أحاديثهم ويترحمون وقليلا جدا منهم من يعود لزيارة المقابر

حسنا غادروا المقابر بسرعة و أتركوني أنا ورفيقة الليلة

وفي تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل
أخرجتها من القبر ونثرت لها الزهور في غرفتي ثم وضعتها في مضجعي وكشفت عن وجهها

يالله!
ملامحها طفولية ووجهها كالبدر ، شعرها ذهبي ونائمة كطفلة حينما نظرت إليها قسمتني شطرين
شطر ينفخ في روحي و يقول : كفى، لا تزد
وشطر يقول : ها هي لك

أخبريني ماذا حدث لكِ؟!
ماذا فعلت بكِ الدنيا؟!

ظللت أمامها كالطائر الذي لا يجيد الطيران ولا يملك إلا عشه

فبكيت بين أحضانها
وفجأة سمعت صوت بداخلي يصرخ : كفى صخبا ها هي لك فالغرام أعمى

لا ..لا..لا أستطيع أن أضاجع الموتى

ما بك؟! .. أنسيت أنك هنا وحيدا منذ ثلاثين عاما مضت؟!
ثلاثون عاما من الحرمان والوحدة والعزلة

أنسيت أن إحداهن تسللت إلى المقابر ليلا ووضعتك في القبر حيا يرزق؟!
من أخرجك للحياة مرة أخرى؟!
ألا تتذكر حقا؟!
أنسيت حارس المقابر قبلك؟!
هو من سمع صوتك في القبر وأخرجك وهو من علمك نبش القبور ليلا

لا هو لم ينبش القبور قط ولكنه كان يبحث عن الأحياء بين الموتى فربما يجد مرة أخرى من كان حيا يرزق

اعتدلت في مضجعي بجوارها وسترت وجهها كما كان ،فأنا لم أكشف عن جسدها كاملا بل كشفت وجهها فقط وظل كفنها الأبيض كثوب زفافها يسترها

ثم وضعتها في قبرها مرة ثانية وعدت إلى غرفتي منهك الجسد جدا فغلبني النوم

و في الصباح استيقظت على صوت طرق الباب، لم أستطع النهوض فعاد الطرق أكثر

فتحت الباب ووجدت سيدة في أواخر عقدها الخامس على ما يبدو وترتدي عباءة سوداء وتمسك بين يديها مصحف لونه أزرق

قلت لها: من أنتِ ؟!
أنت حارس المقابر؟!
نعم
فابتسمت

ثم أخبرتني أنها رأت ابنتها في المنام ليلة أمس وبعثت لي رسالة معها

ابنتي تقول لك: سترتني في الدنيا وأنتظرك في الجنة.

#هناءمطر
#حارس
المقابر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.