نهاد كراره تكتب 2 رجل الأساطير وامرأة الفراشات


نهاد كراره تكتب رجل الأساطير


عزيزي

سأحكي لك اليوم عن شخص في الأساطير
ستسألني أي أساطير تلك، سأخبرك بأنها أساطيري الخاصة أنقشها وأجعل لها تاريخًا وبلدةً، وأبني الأشخاص تبعا لما أحب، ثم أرويها للفضاء دون انتظارِ
رجلٍ أساطيري، رجل سعيد، تمرّ السنوات عليه وحيدا لكنه لايبالي، يستطيع أن يملأ فراغَ البشرِ بألف قصةٍ محطمة، يهوى تحطيمَ الأشياءِ الجميلة ثمّ البكاء عليها، وكأنّه المظلومُ الذي لم ينل مبتغاه أبدا، يهوى أن يضيع ولا يعثر عليه أحد، يومًا ما تاه في الغابة فَرَاقَتْ له بكلّ تشابِك أغصانِها وحلكة الليلِ بها وأشعة الشمس حينما تخترق بتلات الزهر وأوراق الشجر في الصباح فقرر البقاء للأبد، صنع من الأشجار قاربًا ثم تنبه أن لا بحر هنا فتركه حتى وصل للبحر فتنبه أن لا قارب معه، دوما يفشل في اختيار المناسب والصحيح، جلس على الشاطئ ينادي اللهَ بأن يرسلَ له المددَ، وحينما حدث، هرب في الأدغال متخفيا خائفا من أن يكون غولا سيختطفه.
عزيزي رجل الأساطير هذا
له أربعة عقول و عشرون عينًا ورغم ذلك ضعيف البصر، أعتقدها البصيرة هي التي تنقصه،
يحلم بأحلام كثيرة لايفرغ عقله من الحلم والأمل واليأس والصراعات التي بلا نهاية،
‏تسوقه قدماه في غابة أفكاره يتعثر ويمضي، يتسلق نخلات الحنين لكل الأشياء التي لم تأتِ، ولكل الراحلين من عالمه الذين أجبرهم هو بنفسه على ذلك، يلفظ جميع من يقترب منه لدرجة معرفة مكنون قلبه، يخشى أن يقترب أحدهم من روحه لهذه الدرجة، يجلس على قمة نخلة اتخذها عرشًا له، كملك على عرش الوحدة يكرهها ولا يفعل شيئا إلا أنه يمنحها المزيد من الأسباب للبقاء معه، لكنه دوما لا يكف عن الدعاء لله وطلب النجاة من الغرق في محيط اليأس
‏يوما ما كان يبكي وحدته واشتياقه لرفيق، فأرسل الله له سفينة جميلة على غفلة، مدت فتاة رقيقة كفها لتنتشله من غرقه، ‏لكنه رفض خشية أن تمر الأعوام و يندم على مرافقتها وتركه لفسيح الغابة وقمة نخلته، قرر البقاء على جزيرته المنعزلة، إلى أن ينتشله الله من التيه بطريقته، ظل يدعو الله أن يلتقي بالمنقذ أو ربما هي منقذة، ينسى معها وبها كل هذا الخوف ويسلمها مفاتيح وحدته لتملأها فرحا

‏رسم لها في خياله عدة صور
‏لم تكن جميعها عن الشكل، فهن دوما متغيرات، شقراء سمراء خمرية لا يهم، طلبها حنونا تستطيع احتواءه، كأمٍّ ‏تحبه، كحبيبة تمنحه الغطاء في ليالي الشتاء الباردة و قطع الثلج المجروش ليبتلعه في ظهيرة الصيف الحار،
‏ظلّ سنوات تائها، تعلم الكتابة والقراءة كتب الكتب عن نفسه وخبأها، والقصائد عن حبيباته التي يتخيلهن واحتفظ بها، أتت ابنة بائع الثلج في ظهيرةِ يومٍ قائظِ الحرارةِ، منحته كوبا مملوءًا بالثلج و صبت فوقه عصيرا منعشا، و ثمرة رمانٍ طازجة
‏أخبرته أن لها مصنع أغطية ستمنحه له في الشتاء، وأن عينيها ستكون ذراعين تحتويه في كل حين، وقلبها سيفتح أبوابه على مصرعيه ليكون قصرا له، نظر لها بريبة وخوف، ‏ثم قرر الاختباء منها، خشي حبها و تضحياتها تلك، تساءل لمَ تفعل لي ذلك ولأي هدف؟
‏أنالست ذلك الوسيم الذي تبيع من أجله الفتيات العالم، ولا أملك كنوزا وأموالا فلأي هدف تشتريني.
‏رحلت وهي منكسرة، ‏وبقي هو خلف النخيل مختبئًا متسائلا متى يارب ترسل لي المدد دعوتُك كثيرا والحزن دوما رفيقي دون فائدة، الآن أريد لها توصيفا آخر أريدها مثلي تعرف الكتابة والقراءة وتكتب القصص، أريدها أن تكتب فيّ قصائدَ من غزلٍ، وترسمني على كلّ أوراقِ الشجرِ، وحينما تسنح الفرصة تناقشني في كتابي الجديد المخبّأ وأمنحها رأيي في مخطوطتها الشعرية الجديدة، وقارئة انتقائية تقرأ لي و تؤيدني، تصبح جيشي المشجع، تضع خطوطا متوازية تحت النواقص إن وُجِدت لأرى نصوصي بشكل آخر، فأحب نفسي كما لم أحبها، وأعشقها كنفسي، وحين اللزوم تساعدني لنشر كل ماهو مخبّأ من كلمات على كل البشر، وتخرجني من شرنقتي لأواجه ضوء الصباح والعالم، فأنا سيّئ في الإعلان عن نفسي، وسيّئ في التعامل مع البشر، أجيد فقط الاختباء على قمة النخيل أريدها انتقائية بشخصية قوية تؤيد وتصفّق لما أنقش وتنتقي الأفضل للانتشار وتمنحني البركات، وتحمل كتبي على كتفيها و تمنحني التوزيع الجيدَ لها، لكل مواطن كتاب، فنتكامل أكتبُ وتنشر، وتكتب وأنتقد، ربما أريدها ربةَ منزلٍ تصنع كنزات صوفية لي وللأطفال و تخبز الكعكات الصغيرات المزينة بالكريمة ولا تضع الشيكولاتة التي لا أفضلها، ربما هي أيضا تفضلها، وتصنع كوبَ قهوتي المحلّى باللبن و تجيد صنع الكريمة على وجهه، غفا يومها تاركا أحلامه لتتبعثر مسافرة في سربٍ للسماء ، استيقظ صباحا على صوت غناء، صوت ليس بجميل كالمغنيات لكنه دافئٌ يمنحك التمايل بسعادة، هادئٌ يمنحك إحساسًا بالوطن، مفعم بالأمل، نظر بحرص من بين الفروع الشائكة ليجد فتاة تخرج من بين النخيل ترتدي كنزة بلون المحيط
تنظر للسماء تائهة تماما في التفكر، والهدوء البادي على وجهها يمحو الحزنَ والتعبَ، أوقفها بظهوره المفاجئ، فنظرت له بتعجب وابتسمت ابتسامة منحته راحةً وسلامًا نفسيا لم يعهده، تساءلت: كيف ومتى وجد هنا
فقال: إنه منذ ولد وهو هنا على جزيرةِ الوحدةِ والشقاء
تعجبتْ متسائلة
لمَ لمْ أرك من قبل، فهي جزيرتي أيضا،
هل تصنع الخبز مع الأمنيات الجيدة مثلي، لم يجب بشيء هل تعرف الكتابة وتكتب القصص وتحب الهرر الصغيرة والفراشات وتصادق الورد مثلي؟
لمْ يجب أيضا، تشككت منه و خشيت على استقرارها المدكّك بالحزن الهادئ الذي لا يدركه، لكنْ شيء ما في عينيه استوقفها بل لفها بقيد من الزهر الوردي وجذبها له، فقررت البقاء قليلا
سألها عن تأملاتها فأخبرته أنها كانت تحاول
تخيل كيف يكون المنظر من فوف رأس النخلة لكنها تخشى المرتفعات ولم تجد من يصعد معها ربما منحها بعضا من شجاعته، ضحك و منحها دعوى للصعود معه لعرشه، ابتسمت أولى ابتساماتها وكأنها لم تفعل منذ وُلِدت،
‏أمسك بكفها الصغير الدافئ مثنيا على كنزتها التي بلون المحيط
‏ أخبرته أنها تحب صنع الكنزات من الصوف بنفسها، لتختار الألوان المفضلة والشكل البسيط الذي يمنح الراحة والدفء، واليوم بعد أن صنعت كعكتها المفضلة بالفواكه والكريمة قررت أن ترتدي كنزة بلون المحيط فهو لونها المفضل و ذهبت لتعانق الهواء
‏في مكان يمتلئ بالسماء والمحيط والهواء فقط، ‏أخبرها أنه لونه المفضل أيضا، وهوايته مراقبة العالم من الأعلى،
‏صعدا معا لقمة النخلة الأم، وساعدها على الصعود، رغم رعبها من فكرة الارتفاع، خشيت السقوط فطمأنها بتعجب كيف تخشى وهي معه، جلسا باستقرار معا، قدّم لها الطعام ولمعة عينيه، وقدمت له ابتسامة لم يرَ مثل صفائها، وكأنها بها تبني تاريخه من جديد و تزرع الزهرات الصغيرات في صحرائه، روى لها أنه يكتب القصص والأشياء الجميلة والأغاني البسيطة
‏فأخرجت بضع أوراق من حقيبة صغيرة لتريه ماكتبت هي، ألقى عليها قصائده، فأشادت بكلماته وتساءلت عن بعضِ الجملِ العجيبة التي لم ترق لها وصفّقت لإلقائه ونبرة صوته، ثم عرضت عليه أن يمنحها كتابا له فهي تملك المطبعة الكبيرة التي تصدر كتب النخيل والوحدة في البلدة التي هجرتها، ولكنها على استعداد للعودة للبلدة لنشرها له، فشكرها متعلّلا بأنه لايهتم، فهو يكتب لنفسه، ويتأمل الفضاء، صمت لائما لسانه لمَ لمْ أمنحها الورق، ظلّت تطير كفراشة كل صباح لتأتي له بالسعادة و يمنحها الفرح، وكلما حثّته على منحها كتابا رفض
‏ثم بدأ افتعال المشاكل و فرض الحزن عليها كرداء أسود، كلما ضحكت عبس قائلا لمَ تضحكين! لا شيء يدعو للفرح
‏كلما تساءلت عن قصيدته الجديدة قال بحزم لم أكتب شيئا بعد.
‏ قررت في نهايةِ يومٍ ما أن تنهي تلك الحيرة بعدما رأت مجلدا كبيرا يمتلئ قصائدَ مؤرخة بتواريخ متتالية يومية يخفيها عنها، قالت بصوت خافت
‏إذًا هو يلفظني
‏قرأت وقرأت
‏حبيبات كثيرات، عشق هنا و مودة هنا
‏حبيبات حبيبات حبيبات
‏وهي
‏أين هي
‏لم تجد لها أثرا، فهو ينفيها، لا وجود لها بعالمه، توقفت عن الطيران إليه فلم يبحث عنها
‏وظل يدعوا الله أن يرسل له المدد،
‏كأيّ أحمق لا يرى في إشراقة الشمس سوى أنها تلفح وجهه بحرارتها
‏ولايرى مظلة منحها الله له ليحجب الشمس عن وجهه
‏يذكرني بالغريق الذي ظل يدعو الله للنجاة من الغرق فأرسل الله له سفينة رفضها قائلا سأنتظر الله سينتشلني بطريقته …ياأحمقَ المحيطِ أرسل اللهُ لك العونَ في ألفِ سفينةٍ.
‏عزيزي
‏هل فهمتَ الآن مَنْ رجل الأساطير
‏ومَنِ امرأة الفراشات؟
‏لا أظن عقولك الأربعة ستعي شيئا لأنك تنكر
‏الحقيقة
‏أنت هو ياعزيزي
‏أنت أحمق الرواية
‏ذاك الذي يهرب من الحب و يرجوه
‏يكره النساء ويعشقهن
‏ضدين لا يشبه أحدهما الآخر
‏اصنع لعيونك نظارات ربما يوما ما تستطيع النظر جيدا للأشياء
‏كن بخير
‏لا تنسَ إفطارك…كوبين هواء و كوبا من الماء
‏لامزيد من الخيبات
‏ لا خيبات تمنحها للآخرين خذلانا
‏ ولا خيبات تحصل عليها حزنا لقلبك
‏لا مزيد من الخيبات ياصغيري.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.