ديرار منصوري يكتب قتل الشعّور


من الناس من تكون مشاعره كعاصفة، يقع في الحب فوراً، يكره سريعاً، تغضبه أصغر التفاصيل، ويبتهج لأبسط الأشياء. من الممكن أن يحقد إلى الأبد، و من الممكن أن يسامح ما لا يمكن غفرانه. إن ما يميّز هذه الفئة من الناس أنهم يكونون في أغلب الأحيان أشخاصاً إندفاعيين متسرعين و حقيقيين وما في قلوبهم يجري على ألسنتهم، يشعرون اكثر من اللازم و لا يخشون أن يظهروا كأشخاص متناقضين أو غير مستقرّين في عيون الناس. يحبّون بلا حساب، و يمنحون كل ما لديهم بلا سؤال. غير أن الأمر الخطير في هذه الحقيقة أن هؤلاء الأشخاص لا يستطيعون تجاوز الأشياء بسهولة، يسهل جرحهم و تبقى الجروح نابضة في أنفسهم طوال حياتهم. يخفق الزمن مهما طال في مساعدتهم على التعافي من خيباتهم أو نسيانها. و في ضوء هذه الحياة المعقّدة يصل الشخص منهم إذا ما تحطّم قلبه و خاب ظنّه إلى مرحلة يصبح فيها صلباً لا مباليا و بارداً كالفولاذ، ينعزل عن الآخرين، يحيط نفسه بجدار لا يمكن اختراقه، يصمت طويلاً و يخسر أعزّ مشاعره الأصيلة. في هذه المرحلة تصبح حتى الأشياء التي كانت تثير شغفه أو غضبه في يوم من الأيام فارغة تماما و من دون معنى، و يعجز هذا الإنسان الذي تألم و خُذل و عاتب بما فيه الكفاية عن منح أيّة عاطفة، عن إظهار أي تعاطف. يشكّ حتى بالمشاعر التي من الممكن أن يحملها له أحد الناس، لا يستطيع أن يقدّرها، فيصبح هذا الشخص بالنسبة للآخرين مثالاً حقيقياً للقسوة و الصرامة، وعندئذ تنهال عليه الإتهامات و الأحكام الباطلة، هناك من يعتبره جاحداً، و هناك من يعتبره أنانيا متكبرا، ثمّة من يعتبرونه غامضا مخيفا، و آخرون يعتبرونه مريضا. غير أن أحداً لا يفهم أو يصدّق أن هذا الشخص الذي كان جامح المشاعر دائماً هو أكثر الناس حزناً لحقيقة أنه تحوّل لهذا الإنسان البارد الميّت.
ربما انا متعب، و ربما نستطيع أن نشفى من بعض الآلام كالحب و الخذلان و الحزن المفاجئ و الفشل العاطفي والأخطاء و الفوضى، ولكن ما من حقيقة يمكنها أن تنقذنا من التعاسة الباردة التي تنفذ إلينا بهدوء مع مرور الزمن و حتميّة ما ينشأ عن ذلك من خوف و تحمّل للمسؤولية و القرارات الخاطئة. ما من خلاص يمكنه أن يعالجنا من هذا الشعور بالضعف الذي يتراكم بداخلنا شيئاً فشيئاً في مواجهة الحياة اليومية و تفاصيلها التي قلّما نلاحظها، من شعورنا بالذنب و بأننا نصبح أشخاصاً غريبين عنّا و يصعب فهمهم و يسهل جرحهم، أشخاصاً أكثر وحدة و تأثّرا و تعقيداً وحزناً. من يصدق أن النار التي فينا قد تبرد، ثم تخمد و يستحيل معها أعزّ ما فينا إلى رماد مع مرور الأيام، ماضينا، شغفنا القديم، لهفتنا، عفويتنا، سعادتنا بأبسط الأشياء، قوّتنا العاطفية، عجزنا عن الخداع، براءة طفولتنا وأحلامنا الصغيرة التي دفناها هناك، اندفاعاتنا، نقاؤنا، إيماننا بأنفسنا وبالآخرين. إن الحياة تلوّثنا رغماً عنا مع كل يوم جديد، و ما من حقيقة يمكنها أن تعالجنا من فقداننا للقدرة على الفرح، التي متى خسرناها لا نستطيع أن نستردها أبداً، ولا يستطيع
أي عزاء بعد ذلك أن يبعث الدفء في صدورنا .
#ديرار_منصوري

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.