دعاء المثلوثي تكتب أنثى الانفراد


أنثى الانفراد
رأيتها تقف على ناصية الطريق، في المكان الذي إعتدنا على الإلتقاء فيه.
تمسك حقيبتها الصفراء الصغيرة و تحرك رجلها بطريقة طفولية بينما تعبث يدها بخصلات شعرها المنسابة على كتفيها.
لطالما بدت لي مثيرة بطريقة طفولية، لا أعلم كيف يكون هذا و لكنها خلقت لتكون أنثى التناقضات و لتلتقي عند قدميها كل الأضداد.
شهية هي، كحبة كرز آن أوان قطفها .. تغري الناظرين.
أتوقف قليلا لأتشبع من رؤيتها دون أن تمسكني عيناها بالجرم المشهود.. عيناها، ضحكتها، صوتها … كل شيء يجعلني أقع في غرامها بعد كل نظرة..
أرغب في أن أسحبها لأخبئها في أعمق مكان في قلبي، فقط كي أحافظ عليها.
أستفيق من شرودي بها و أحث الخطى إليها، أجذبها إلي في شبه عناق لتدفن رأسها في صدري .. لم تحاوط يداها الصغيرتان خصري هذه المرة، و لم تقبض على قميصي بقوة ..
نبتعد فأجد في عينيها نظرة عتاب و تشرع في لومي عن تأخري بينما أنا شارد في مجرة عينيها..
أقبض على يدها الصغيرة داخل كفي و ننطلق في جولة حول المدينة.
ينطوي الطريق تحت قدمينا طيا، كأنما يتعمد جعل المسافة أقصر ليبعدني عن صغيرتي..
تحاوط يدي خصرها لأشعر بالحرارة تتدفق إلى جسدها و بها تنصهر بين يدي..
كأنما يدي جزء من جسدها أو كأنما جسدها جزء مني..
أغوص أنا إلى أعماقها بينما ألامسها، كأن العالم لا يحوي سواها، هي و إغرائها و برائتها، مشاعرها و كلماتها العذبة، طفولتها و جموحها..
و أنا التائه بين كل هذا و ذاك .. أنا المواطن الدرويش الواقع فيها من رأسي حتى أخمص قدمي..
أنظر لها فأؤمن بالله بعد إلحادي لأسجد له مسبحا متعجبا من إبداع خلقه، ألمسها فأؤمن بكل أساطير المثيولوجيا اليونانية و لأعلم أن أسطورة الخلق لم توضع عبثا، أنظر في وجهها فأرى أفروديت و عشتار و فينوس و كل جمال الدنيا متجسدا في إمرأة واحدة هي كل النساء.. ولا واحدة منهن ..
أغرق في تساؤلاتي عبثا.. فيخر المنطق أمامها مسلما أن لا حول له ولا قوة.. إمرأة جمعت كل الأنوثة لتكون المنفردة بين الجميع.
خلقت لتكون فتنة لبني آدم و خلقت أنا لأحميهم من فتنتها فأفتن أنا بها مجددا كلما وقعت عيني عليها.. لا أعلم كيف لإمرأة مثلها أن تفعل بي كل هذا.. لا تملك ذلك الجمال الصارخ و لا ذلك الجسد الذي نراه في الأفلام..
بسيطة الملامح، تشاركت عيناها مع شعرها في سلب الليل سواده، أنف دقيق و شفتان كرزيتان إجتمعت على أحرفهما فتنة الأرض و السماء..
عنق عاجي يلتقي مع عظام كتفيها البارزين..
يداعب النسيم قميصها ليفر عن نهدان عاجيان بضان.. و خصر نحت نحتا..
تخفض بصرك أكثر.. فتلتقي الأضداد مجددا عند إنحناءة وركيها..
تجعلني أكفر بالعالم جميعا لأؤمن بها فقط،و تعيد إيماني الذي سلبته الأيام مني في آن واحد..
أتسائل أحيانا كيف لرجل مثلي أن يهبه الله آلهة مثلها.. أوجودها في حياتي جزاء لي أم إختبار لصبري ؟
قريبة هي مني كل القرب، نحن روح واحدة غي جسدين منفصلين، يلتقيان فيتلاحمان لدرجة أكاد أظنها ستعيدنا إلى أصل خلقنا.. و يا ريتنا نعود ..
كلما تقرب خطوة مني كلما يبدأ العالم بالتلاشي شيئا فشيئا، بينما تعظم هي فلا أرى سواها..
تقترب مني لأعلم أن كل شيء سيكون على ما يرام، فقط و هي بقربي..
تقترب أكثر ..
تختلط أنفاسنا و أستنشق عبير جنتي المنشودة..
خطوة أخرى..
يدور كل ما حولي و تمر علي فصول السنة الأربعة في لحظة واحدة..
قدم أمام أخرى..
تمرر شفتاها ببطء على وجنتي لتوقد فيا نارا إلتهب سعيرها لتستقر شفتاها على رقبتي تلثم بهما جراح قلبي كأنني ما تألمت يوما لتعيدني إلى رحم أمي..
حركة أخرى..
تنساب أصابعها بسلاسة بين خصلات شعري، ثم تعود لتشد عليها بقوة، بينما تواصل شفتاها التوغل في عنقي دون رخصة؛ و أنا مسلم أمري لها لا حول لي ولا قوة على مجابهة هذا البركان الثائر..
تتحرك يدها من جديد..
تنساب على صدري بشهوة..
لتستنزف بهذه الحركة آخر قطرات صبري،فأجذب يدها لتقع في حضني..
أبعد خصلات الليل المتساقطة على وجهها و أشرع في تأملها..
أمرغ رأسي بين خصلاتها مداعبا عنقها لأثمل من عبقها قبل لمسها و أتوه بين غياهب صدرها..
و لازلت لا أجدني إلى الآن..
بقلم : دعاء المثلوثي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.