أبناء جيلي


أرميا قيصر يكتب
نسمات خفيفة تضرب وجه النهر، مركب صغير يتمايل بخفة، صياد يلقي بشباكه، وينتظر الخير، صبية يلعبون في الماء، وينظرون إليَّ بين اللحظة والأخرى، وأنا على المقهى جالسًا، أقرأ كتاب “وقفة قبل المنحدر” لعلاء الديب، لسعة البرد تداعب جسدي، كوب القهوة إلى جواري تتصاعد أبخرته، وحمزة نمرة يغني من هاتفي أغنية أمازيغية رومانسية غير مفهومة المعاني، هذه لحظة اختلستها رغم أنف يومي لأعيد الهدوء لروحي، ساعة هدوء وسعادة لعلها تساعدني على تحمل وعثاء الحياة، حياتي أنا وأبناء جيلي البؤساء، أجلس هنا دائمًا وأنتظر لحظة تجلي الذات التي غنى لها حمزة نمرة

تلك ساعة نادرة، أختلي فيها بنفسي، تتداخل في أعماقي مشاعر متضاربة بين الحزن، والنشوى والحسرة، والصهللة، أتفحص حال يومي على ضوء إحساسي بالنشوة لتلك اللحظة التي أعيشها، أنظر ورائي لأرى أيامي التي تمضي لا مبالية إلا بالعمل، ولا شيء غير العمل، من مطلع الصبح إلى منتصف الليل أتنقل بين عمل وآخر إلى أن ينتهي يومي بجملة من التعب وألم المفاصل، إرهاق يجثم على قلبي وجسدي وروحي، أنظر إلى الغد وأقول أنه لن يختلف عن الأمس فيضربني الأسى، هذا هو أسلوب حياتي أنا وأبناء جيلي، مجرد ثيران تدور في ساقية لقمة العيش، ومن يبحث فينا عن لحظة صفاء خاصة به، يعد مجنون، وغير متحمل المسؤلية لأنه يهدر وقته في رفاهية ليس لنا، نحن أبناء العمل والتعب والفقر، صار لي زمانًا لم أستمتع بقراءة كتابًا أو أكمل مشاهدة فيلمًا، حتى الموسيقى لم يعد لها مكان في عقلي وروحي المزدحمين بأحداث اليوم والتفكير في الغد المجهول، أصبحت أنسى الأيام والمواقف، أقبلت على الطعام في شراهة، الحياة سلسلة من الأيام المتشابهة دون معنى، مجرد النظر إلى حياتي يجعلك تشعر أن هناك فارقًا ضئيلًا بين الحب والجنون، ولكن كل ذلك اختفي أمام بركان الحياة اليومية، فخطر إلى بالي أن أشارك مشاعري على مجموعة خاصة مهتمة بالطب النفسي على فيس بوك، كتبت مشاعري وألمي ومخاوفي، إني لست موجود، إني متشبث بالطريق، لكنها تنحسب مني رغمًا عنها وعني، حياتي تفتقد القيمة والمعنى، وأكثر ما يؤلمني أنني أنسى، لا زال العمر مبكرًا على ضعف الذاكرة، وضعف الشغف تجاه الأشياء، لست وحدي من يدور في هذه الدائرة، أبناء جيلي ليسوا مختلفين عني، كلنا نسخة واحدة من الألم والشقاء وفقدان الشغف، لا يوجد في حياتي سبب واضح لحالة التوهان، لكن الأزمة في شكل الحياة نفسها، وعندما شاركت أفكاري أطباء نفسيين، قالوا كلامًا عن المثالية، وغدًا أفضل، لكنهم استسلموا في النهاية وقالوا لست وحدك، لست وحدك يابن الحياة، فاشتلعت الحرب داخلي بين الرجاء والواقع، ألوم الله على تركه لنا، نولد فقراء، ونعيش فقراء، ونموت فقراء، فلماذا خلقنا، ولماذا خلق غيرنا أغنياء، كيف لي أن أخفي حقدي على الأغنياء، أن أكون مثاليًا أمام عهر الزمن، شعوري غدًا سيكون كشعوري اليوم أكره أن أرى تلك الشمس المسائية الغاربة، تضيع حياتنا تحت وضوح لاهب لعدسة مكبرة في حجم قرص الشمس.

أتذكر من أنا، كان كل ما يحدث حولي من متغيرات يدفعني إلى التفكير، اكتشاف التفكير كأنه الوقوع في الحب أو لعله أقوى وأغرب أثرًا، لا جسد له، مطلق، منتشر في كل الكائنات، ولذة الاكتشاف والتفكير تقودني إلى غابات وسهول خضراء بلا حدود، تسمعني موسيقى الوجود بكرًا، تولد لأول مرة ، تذيقني خمرًا هي الثقة بالنفس والتواجد في مركز الوجود، كنت ذلك الإله الصغير القادر على فهم كل شيء دون تردد، القادر على الحلم بأي شيء دون حدود الإله، أعاني عذابًا مقدسًا هو النمو والنضج، معاني الكلمات ساكنة فيَ، مستقرة وراسخة، الحب يعني الحب، الوطن يعني الوطن، الشرف هو الشرف، أحمل على أكتافي هم مسؤولية تغير العالم، ليست مسؤولية نظرية أتكلم عنها، لكنه شعور أكيد أمارسه كل لحظة، ويرتبط بكل خطة صغيرة أقيمها، لكن ما أقصر ذلك الوقت، انتهي كل ذلك، سرعان ما تتبدل الفصول وتقتل الأحلام على تلك الصخرة الملعونة لأبناء الطبقة المتوسطة، الحقائق، الإمكانيات، الظروف، أرى كائناتي الأثيرية الوردية تتحطم في صمت دون دماء أو صراخ، أبكي صديقي الذي ترك حبيبته لأنه لا يستطع الزواج منها لأنه فقير، أبكيه وأبكي نفسي وأبكي أبناء جيلي، أنعي أيام الطفل الذي ولد محدود الذكاء في بيئة فقيرة، فبعث للعمل وتحمل المسؤولية في عمر الطفولة، فلا تعليم ولا طفولة ولن يرى من الحياة سوى الفقر طفلًا وشابًا وشيخًا، دائرة مفرغة من الفقراء الذين يسلمون راية الفقر لبعضهم.

الآن مسؤولية تغير العالم تحللت إلى تمرد عليه، والتمرد ينفك إلى إحساس بالغربة والاغتراب، والغربة تقود إلى رصد الملل والمتابعة والتكرار ولعن الحياة.

أدركت الآن معنى الانتماء للطبقة المتوسطة، معنى أنني برجوازي صغير، جئت من أبسط أنواع الطبقة المتوسطة، لا مال ولا حرفة، مجرد وظيفة حكومية، ودخل ثابت وعلاوة دورية، إدراك الانتماء للطبقة المتوسطة والشعور بالطبقات هو الصدمة الحقيقة لمثلي من الفقراء.

أتذكر الآن فيلم “هيروشيما .. حبيبي” عندما وقفت أيمانيول ريفا بطلت الفيلم أمام صور جثث ألاف الرجال والنساء والأطفال وقد شوهتهم الإشعاعات الذرية وحولتهم إلى ركام غير إنساني يفوق في بشاعته أفظع الكوابيس، تأملتهم فقالت:
“كل ما أريده أن يكون لي ذاكرة لا تعرف الصفح أو النسيان، ذاكرة لا تقبل العزاء.”

كان العالم حضن أب كبير يضمني في فرح، ويرصد حركتي في اهتمام، لكن يبدو أن الأب طلق أمي وترك البيت وانتحر من قسوة الواقع.

أبناء جيلي
#أرميا_قيصر
تدقيق/ رضوى عصام الدين

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.