إبراهيم محمد يكتب حِوَارٌ مَعَ الـمَوْتِ


ما من كائن حي نعلمه أو لا نعلمه، على وجه البسيطة أو فى الكون، إلا متناهى إلا ويدركه الموت. فالموتُ علينا حقٌّ، وكل من عليها فان ويبقى وجه الله ذي الجلال والاكرام.
والبحث عن الخلود معضلة أزلية لبني البشر وما كان خروج أبينا آدمَ وأمِّنا حواءَ من الجنةِ التي سكناها إلا بوسوسةِ الشيطانِ لهما بأن المنعَ من أكلِ الشجرةِ المحرمةِ لم يكن إلا لحرمانهما من أن يكونا ملكين أو يكونا من الخالدين، وماكانت معصيةُ الأمرِ الإلهي إلا من أجلِ البقاءِ. ونجاح إبليس في وسوسته ومسعاه يؤكدُ أن الرغبةَ في الحياةِ الأبديةِ هي نقطةُ الضعفِ لدى بني الإنسان ومنها تَسَلَّل إبليسُ وبسببِها خرجْنا من جنةِ الله.


ومع ذلك فكلنا يُؤمنُ بحتميةِ النهايةِ، ولكن تتباين ردودُ الفعلِ حين تحقُّقِها كلٌّ حسب درجة اليقينِ، وقوةِ الإيمانِ والعقيدةِ لديه، وفي النهاية يرضخُ الجميع.


ولكن أصعبَ ما يُصيبُ الإنسانَ ألمُ الفقدِ والفراقِ ومايصاحبُهما من اضطرابِ المشاعرِ والأحاسيسِ، وردودِ أفعالٍ غيرِ محسوبةِ في الغالبِ، والأهمُّ هو إعادةُ ترتيبِ الأمورِ الحياتيةِ مرة أخرى لكي تسيرَ وتستمرَّ الرحلةُ على الأرضِ.
ومن أعجب ماقرأتُ مؤخرًا عن الموتِ كتابَ “حوارٌ معَ الموتِ ” للكاتبِ “يوحانيس فون تبل – اكرمان “
الذي اختطفَ منه الموتُ زوجتَه مارجريتا فرثاها، ووجدَ أن حياتَه تغيرتَ فقررَ أن يشكو ملكَ الموتِ – عزرائيل – ولأنها قضيةُ فيها المُدَّعَى والمُدَّعَى عليه؛ فوجبَ أن تكونَ هناكَ صحيفةُ اتهامِ ومرافعةٌ ودفاعٌ، لذا كان( اكرمان) المدعى ممثلًا لبني البشرِ، وكان ملكُ الموتِ المُدَّعَى عليه، وجرت المحاكمةُ فعدد المُدَّعَى في صحيفة دعواه اتهاماتِه لملكِ الموتِ بأنه حين استلبَ منه زوجتَه فإنه اقتطفَ من بستانِه الوردة المضيئة وسند سعادته، وحرمه من جميلِ الأيامِ، ووصف ملكَ الموتِ بأنه حاصدُ الأرواحِ، وهادمُ اللذاتِ، ومفرقُ الجماعاتِ، ومغتالُ المخلوقاتِ، واستدعى غضبَ اللهِ عليه ومقتَه ونقمتَه، وقد رد عليه ملكُ الموتِ قائلًا: إن الشكاوى واللعناتَ ضدنا كثيرة، وفعلًا حصدنا كثيرًا من الأرواحِ للفقير والغني، والنبيل والدعيِّ، لكن تخيل لو أننا تركنا الأعداد تتزايد من بني الإنسانِ والحيوان وأسماك البحارِ ولم نستأصلْ الزائدَ والفاضلَ، فكيف سيكونُ الحالُ؟! فأنت لم تشرب من ينبوع الحكمة، ولم تمعنْ الفكرَ في أمورِ الطبيعةِ وآثارها، ولم تستبصر أمور الدنيا، وتدركْ التغييرَ الدائرَ بها، إنك ساذجٌ أهوجُ؛ فكل الكائنات مقضيٌّ عليها بالفناء، ومصيرها إلى الزوالِ، كما أن الإنسانَ بمجردِ أن يولدَ فقد تجرعَ كأسَ الموتِ وكأنه ولد ليموتَ. فالنهايةُ شقيقةُ البدايةِ، ومن خرج لابد أن يعودَ، ولا ينبغي لأحدٍ أن يعترضَ على الأمرِ المحتومِ والقضاءِ المكتوبِ.
ويستمرُّ الحوارُ المتخيلُ، والاتهامُ وتفنيده، لتبقى إرادة الله سبحانه وتعالى هي الحاكمةُ، ولكلِّ أجَلٍ كتابٌ.


نحن باعتبارنا مسلمين ندعو الله فى جَوْفِ اللَّيْلِ، ومن ضمن دعائنا: “اللهمَّ اجْعَل الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِنا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَل الْمَوْتَ رَاحَةً لنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ” وهذا إدراك بالحتمية والنهاية وإقرار بهما، فلا مهرب.. فلنعملْ إذًا من أجلِ هذا اليوم، يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله سبحانه وتعالى.
د.إبراهيم محمد

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.