هناء مطر تكتب للأبد


 

على أحد المقاهي أمام مسجد الحسين جلست واشعلت سيجارة واحدة تلو الاخرى وانفخ من صدري وكأنني أحاول خروج النار المشتعلة في قلبي من ألم الفراق…يجلس أمامي رجل أشقر وامرأة ذات خصلات شعر ذهبية يبدو من حديثهما وملامحهما أنهما أجانب ويستمتعون بوقتهما في شرب الشاي والشيشة…يضحكان ويلتقطوا الصور الفوتوغرافية للمكان والناس…وخلفي يجلس رجل عربي وزوجته التى ترتدي جلباب اسود ونقاب..وفي الجانب الايمن في اخر المقهى يجلس مجموعة من الشباب يبدو لي انهم في رحلة لزيارة الازهر والحسين …الجميع محمل بصندوق اسود بداخله جميع الهموم…ثم ارتشفت من كوب الشاي وفتحت خطاب كتبته لي قبل الرحيل …ارتجف قلبي فمازالت رائحتها عالقة في الورقة ولطالما عشقت عطرها هذا الممتزج بروائح الياسمين…احتضنت الخطاب وظللت اضعه على انفي…وامرره على وجهي وكأنها تداعب وجهي ولم اكترث لمن حولي في المكان…فتحت الخطاب لقد كتبت لي قائلة :إلي من عشقته روحي وحبيبي سابقا والآن وحتى الممات وبعد الممات…لاتحزن بعد موتي…وتذكرني دوما في الصلوات..عش أنت ودوما أبتسم لطالما عشقت ضحكتك حينما تغمض عينيك…لا تبكي ابدا …أغمض عينيك ودع روحي تلامس روحك فهي ستظل حولك واشعر بك حتى في المنام….سنلتقي في أحلامك ودوما سيكون بيننا لقاء…أحبك .وختمت الخطاب …اطبقت الورقة ووضعتها فى جيب بداخل الجاكيت بالقرب من قلبي..وكتمت أنفاسي وعدت بالذاكرة للوراء…حينما قابلتها اول مرة …إمرأة إستثناء..ترتدي ملابس غريبة…لها طابع خاص يميزها عن الاخريات…لها ضحكة مثل الأطفال…عيونها تلمع…وأحاديثها كثيرة ثرثارة ولكنك لا تمل منها…أنثى ببراءة طفلة وقلب مطعتش للحياة….حينما حدثتها اول مرة امتلكت قلبي واحتلته بكلمة كانت تلازمها واااو…اشعر وهى تنطقها انها تلامس روحي وتدق على نبضات قلبي بمطرقة تجعلني اصرخ اااه….من اول لقاء نظرت في عينيها وقلت لها أحبك…لا اعلم كيف نطقتها فأنا من كانت تعشقه النساء…ترتمي في احضاني كل ليلة إحداهن تلامس جسدي نغم ولكن لم تلامس قط روحي مثلها…هي حقا إمرأة استثناء….لطالما عشقتها عشقت ضحكها وروحها حتى غضبها حينما كنت ألقي أشيائي أمامها…حينما كنت ألقي ورقة على الأرض تنحني وتلتقطها تنظر لي نظرة يالك من طفل إلي متى سأعلمك…كنت اشعر إننى ابنها وليس فقط زوجها…ولكن فجأة تغيرت معي….ظلت تنهرني…تسهر بعيدة عني….وتختلق المشكلات….تثور في وجهي وتتغيب كثيرا عني…حتى امتلكني الشك … ذهبت ورائها يوم…ويالصدمتي…دخلت ورائها عمارة في الحي السابع وصعدت الدور السادس وجدتها في عيادة ظننتها تخونني مع الطبيب….وبين باب العيادة والطبيب استحوذ الشيطان على عقلي واعمى قلبي وظللت افكر فيما يحدث بينهما تخيلتها في احضانه عارية و فجأة فتحت عليهما الباب ..نظرت لي نظرة لن أنساها طالما حييت ظلت تبكي وقالت: كيف عرفت؟!….جلست أمامها لا افهم شئ..ثم حدثني الطبيب وأخبرني انها تعاني من لوكيميا في الدم وباقي لها أيام…..ظللت صامت وقلبي يعتصره الألم…لا اشعر بشئ وكأن أحدهم ضربني على أم راسي بمطرقة وافقدني النطق….ظللت فاتح فمي واحملق بهما ….اشعر بالذنب لقد ظننت بها السوء واتهمتها بالخيانة لم الاحظ سقوط شعرها…لم الاحظ جسدها النحيل كنت اظنها تتبع حمية غذائية فهي لطالما كانت تعشق الجسد النحيل تتحدث أمامي عن عارضات الازياء وحلمها بجسد مثلهن….لم اشاركها ألمها بل اتهمتها في شرفها وهي اشرف إمرأة على الكون….لم يبق من عمرها سوى بضع أيام ….سويعات ربما او اقل. .اشعر بالذنب والندم اشعر بالخوف …لا لا لا اشعر بشئ …اصابعي منملة وجسدي بارد وعقلي لا يتخيل حياة بدونها…في اخر يوم استيقظت وهي نائمة بجانبي وظللت اتطلع الى ملامحها اتأملها واحفرها بداخلي ….راقدة بجواري لقد لفظت أنفاسها الأخيرة بالأمس..كفنتها بالأبيض كانت كعروس ليلة عرسها …وضعت حول رأسها قماش ابيض يمسك فكها ورأسها ومعقود كفيونكة من فوق رأسها….جسدها ملفوف في أبيض كثوب..وجهها منير….وكأنها عادت فتاة عشرينية…شعرها اسود واختفت خصيلاتها البيضاء…حينما خرجت من منزلي خرجت معها الروح….وضعتها بيدي في قبرها وحينما اغلقته وعدت بدونها أدركت انني معها دفنت…عدت لمنزلي ….جدرانه تبكي..رغم المذياع يذيع قرآن كريم ولكن قلبي حقا لاينبض ولا اشعر بدقاته …..توضأت وصليت ثم حاولت النوم ولكن كيف وانا اسمع صوتها حولي اشعر بانفاسها واشعر بجسدها بجواري …ظللت اتقلب بجسدي ثم انهكني وغلبني النوم….استيقظت ابحث عنها اعتقدت انها في المطبخ تعد الفطور….قلت لنفسي لا اعتقد ذهبت لشراء العيش وتقف في طابور….رن جرس البيت قلت ها هي عادت ولكن لما لا تفتح بمفتاحها لعلها نسيته في الداخل ….فتحت الباب ووجدت الجرائد واللبان اعطاني كيلو لبن ثم قال الله يصبرك هي كانت توصيني عليك قالت لي اذهب اليك كل يوم واعطيك اللبن….كانت توصي الجميع كانت سيدة الجميع يحبها الله يرحمها … ثم اغلقت الباب وقبل ان انادي عليها تذكرت انها ماتت وتركتني يتيم بدونها…. لا اعلم كيف اشعل البوتاجاز….ماذا افعل بدونك ….ارتديت ملابسي وخرجت وها انا افتش فى الوجوه عنها ….وحينما انهكني المشي جلست على هذا المقعد وتذكرت خطابها قالت انه في جيبي ولا افتحه الا بعد الموت…. فجأة ابتسمت ،لقد كتبت لي رسائل ووضعتها في كل مكان بالمنزل،وضعت رسالة بجوار التلفاز تذكرني بأوقاتنا معا وتحدثني عن مسلسلنا المفضل وضحكنا عندما كنا نشاهد مسرحية كوميدية،ورسالة بجوار المذياع واستمتاعنا بغناء كوكب الشرق ام كلثوم كل ليلة خميس ،ورسالة في المطبخ كيف أعد طعامي جيدا ورسمت أسهم تشير الى كل الأشياء في المنزل كي تكون في متناول يدي دون عناء البحث عنها ، رسالة بجوار وسادتي أقرأها قبل ان أخلد للنوم ليلا،رسالة بجوار ملابسي وكيف أنسق وآختار الوانها،لا تحزن زوجي لن أتركك وسأظل أشاركك الحياة حتى بعد الموت فلن يأخذني الموت منك ولن يبعدني عنك وسأنتظرك هناك حيث نلتقي مرة أخرى و للأبد. أحبك.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.