رسائل فيودر دوستويفسكي


في أعقاب وفاة زوجته الأولى جراء إصابتها بداء السل الرئوي، ووفاة أخيه الأكبر، تحولت حياة عملاق الأدب الروسي فيودر دوستويفسكي إلى ما يُشبه الجحيم بسبب الوحدة؛ واستمر كذلك حتى بلغ السادسة والأربعين، حيث التقى بمن صارت فتاة أحلامه وجزءًا مهمًا من حياته، والتي كانت تبلغ من العمر آنذاك عشرين عامًا، وكان والده الذي توقف قبل لقاؤهما بوقت قصير يعمل خادمًا في بلاط القيصر؛ وصارت الفتاة التي تدعى آنيا زوجة دوستويفسكي وأم أولاده، ووصفها كثيرًا بأنها سعادته الحقيقية التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات.
وفي مرضه الأخير كان الأديب الروسي الأشهر يسافر كثيرًا إلى ألمانيا لتلقي العلاج، لكنه لم يكن يستطيع اصطحاب زوجته، ونتج عن ذلك العديد من الرسائل المتبادلة بينهما، والتي تُرجمت إلى العربية مؤخرًا؛ وكانت في مقابلة معها قبل عامين من وفاتها أجابت عن السؤال الذي شغل كثيرين “لماذا لم تنشر هذه الرسائل أبدًا؟”، رغم أن الكثير من الناشرين عرضوا عليَها مبلغًا كبيرًا لقاء طباعة هذه الرسائل؛ وقالت “لقد بدا لي انه بمجرد ظهورها للضوء، فسوف تفقد بعضًا من سحرها ورائحتها”، وكانت تقول في أيامها الأخيرة “لن يطلَع عليها أحد، ولن أعطيها لأحد، ما دمت على قيد الحياة، بعد أن أكون هناك معه، في الحياة الأخرى، فليكن، وليعلم الجميع عن قصة حبنا”.
في رسالة بتاريخ 13 يوليو 1876، أرسل دوستويفسكي يقول “أثناء السنوات التسع على حياتنا الزوجية، كنت مغرمًا بك أربع أو خمس مرات، وفي أحيان أخرى كل مرة.. والآن، وباستمتاع أتذكر كيف أنه منذ أربع سنوات، قد أحببتك. فعندما كنا في حالة خصام، ولم نتحدث مع بعضنا البعض لأيام عديدة، وكنا في ضيافة بعض الأصدقاء، فأنا قبعت في الزاوية، واختلست النظر من هناك نحوك، وبقلب محروق يتفطر دمًا، تمعنت بك، فيما كنت تتحدثين وبفرح مع الآخرين”؛ وفي رسالة أخرى بتاريخ 15 يوليو 1876 كتب “آنيا، لا أخفي.. أنا أقلق، بالفعل أخاف، وأنك إذ تكتبين لي بأن أغار عليك، فإني لمتأكد بأنك كتبت ذلك، وأنت تبتسمين تلك الابتسامة الحلوة المحببة لي، فأعتقد بأنك قد حققَت هدفك. نعم أنا أغار عليك”.
وفي 24 يوليو 1876 أراد أن يُبرز لها مدى أهميتها في حياته فكتب “أنت بنفسك لا تلاحظين مدى إمكانياتك. فأنك لا تديرين فقط البيت، وليس فقط أعمالي، ولكن أعمالنا كلنا جميعًا، وتتحملين كل مشاكلنا ونزواتنا، ابتداءً مني حتي ألوشا، وتدبرين حالك أيضًا. آه كم أحلم بأن أجعل منك ملكة، وأعطيك مملكة بكاملها، وأقسم لك، بأنك تستطيعين عمل ما لا يمكن أن يعمله أحد ـ وهذا بفضل ما تملكينه من عقل راجح رزين، وتفكير سليم، وقلب واسع وطاهر، ومعرفة تدبيرية”؛ وفي رسالة أخرى قال “أنت تكتبين لي “كيف يمكنني بأن أحب امرأة عجوزه وقبيحة مثلك “هنا، أنت تكذبين كليا. بالنسبة لي أنت الهناء بذاته، ولا يوجد لك مثيل. وأي إنسان، يتمتع بقلب وإحساس وذوق مرهف، من المفروض بأن يقول لك ذلك، إذا نظر إليك، ولهذا السبب فأنا أغار عليك في بعض الأحيان.أنت نفسك لا تعرفين إلى أي مدى جمال عينيك وابتسامتك الحلوة وحديثك العذب الذي يغري ويفرح الروح، وذلك يعود إلى أنك لا تختلطين بالناس. فلو حصل ذلك لعرفت مدى أهميتك وانتصارك”.
وبعد وفاة زوجها وتحت عنوان “الخاتمة لكل ذكرياتي” كتبت أنَا دوستويفسكي “لقد تراءى لي في حياتي كلها بأن هناك شيئا ما يشبه اللغز، في مسألة أن زوجي الطيب القلب، لم يحبني ويحترمني فقط، كسائر الأزواج الذين يحبون ويجلون زوجاتهم، ولكن وصل به الأمر إلى مرحلة الركوع والإنحناء أمامي، كما لو أني كنت مخلوقًا له أهمية خاصة. وهذا لم يحدث فقط في المرحلة الأولى من زواجنا، بل في كل مراحل حياتنا الزوجية حتي مماته.
في الحقيقة، فإني أعترف وأقر بإني لا أتميز عن غيري بالجمال، ولم أكن من الموهوبين بعقل متطور فريد. وهكذا، وبالرغم من هذا، فإني لم ألق من هذا الإنسان الذكي والموهوب، سوى الاحترام العميق”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.