خبايا طبيبة تكتبها نورا عماد


خبايا طبيبة
بقلم / نورا عماد
صدق قال عبارة (ياما فى الحبس مظاليم )
هنا بين اربع جدران عالية وأسوار تنتهي بأسلاك شائكة يمكث( علي حسين )صاحب الخمس وثلاثون عام يرتدي البدلة الحمراء ينتظر تنفيذ حكم الاعدام في جريمة قتل لم يرتكبها يشعر من حوله بالشفقة على حاله ويجدون في عيونه دليل برأته
ذلك الشاب الطبيب لم يتأخر يوم بتقديم المساعدة لمن لجأ إليه كان بشوش الوجه كثير التردد على الندوات الدينية كانت جملته الشهيرة (لقد أخذت من الدنيا علم الطب فلابد أن اناول من علوم ديني ما يهيأني للوقوف بين يد الله )
تزوج مؤخراً من نسيم احدى زميلاته بالمشفى طبيبة تشريح مثقفة جميلة تهوى قراءة الكتب تؤمن دائماً بالقوة الخفية ووجود عالم الاشباح ظن علي أنه امتلك فرحة العالم بذلك الزواج فكان كثير الحمد لما يرأ من نعم
استمر زواجه عدة سنين لا بأس بها مدة كافية ليستطيع كلاً منهم اكتشاف خبايا الأخر وفهم شخصيته
كانت شخصية علي واضحة فلا يوجد لديه ما يخفيه مؤمن دائماً بقانون ( ما تزرع تحصد )
فكان يخشى أن يزرع شرً ولو بنظرة فترد إليه الايام تلك النظرة
إلا أن زوجته امتلكت شخصية غامضة بالنسبة ل علي
فمؤخراً شعر وكأنها بئر من الأسرار يقف على شفعه ولا يستطيع رؤية نهايته فقبل دخوله السجن بعام
وفى رحلة حياته مع نسيم
شعر بتغير أحوالها صارت نحيفة فوق المعتاد كسا السواد جفون عيونها بدأ شعرها بالتساقط وبدا عليها ملامح التعب والارهاق
عرض علي عليها الراحة من العمل لفترة طويلة حتى تسترد عافيتها
..شايف إن التعب اتملك جسدك وصحتك فى النازل وده باين جدا على ملامحك ولازم تخدى اجازة تستردي صحتك فيها
انفعلت نسيم مع اقتراحه وصاحت لا لا أبدا أنا كويسة وبعدين برتاح فى شغلي جدا ومقدرش ابعد عنه
لم يعلم (علي )أن تلك بداية لسلسلة أحداث سيمر بها
فلم يكن يجمعه ليل كثير مع زوجته نظراً لعمله الذي يتطلب أن يظل بالمشفي ليلاً
إلا أنه قرر الإستغناء عن تلك المناوبات الليلة ليقضي وقت أطول رفقة زوجته ويستطيع الاعتناء بها
إلا أن ليله لم يمر مرور الكرام فعند منتصف الليل شعر بإهتزاز زوجته جواره تصرخ كأنها فى ساحة حرب تترجا احدهم أن يرحمها
..سيبنى أنا معملتش حاجة أنا معملتش حاجة ارحمني
أمسك علي بيدها وانتقل له بروده جسدها وشعر وكأنها تودع العالم
نسيم نسيم فوقى يا نسيم مالك يا حبيبتي
فاقت نسيم خائفة تلتقط أنفاسها بصعوبة تنظر حولها وتردد وصل هنا وصل لهنا
استعحب علي من حديثها
مين ده يا حبيبتي انتِ فى بيتك في سريرك متخافيش ده مجرد كابوس
هدأت نسيم وبلعت خوفها وصمتت دقيقة
أيوة هو كابوس كابوس فعلاً
انسحبت نسيم من جوار علي وقفت في غرفتها تبحث فى اشياءها ولم تكف حتى وجدت هاتفها التقطته سريعاً وخرجت مغلقة الباب خلفها
لم يدرك علي رد فعلها وتسائل لمن ستتحدث في تلك الساعة ؟
خرج خلفها ليجدها مماسكة بهاتفها تتحدث إلي أحدهم بصوت منخفض يسيطر عليه الخوف
وما أن خرج علي
نسيم؟ بتكلمي مين دلوقتي؟
ارتبكت نسيم واغلقت الهاتف سريعاً وذهبت إلي فراشها دون رد على سؤاله
حدث روحه لعلها تمر بأزمة نفسية نتيجة ضغط العمل أو لعلها تروى لوالدتها ما رأت من كابوس مفزع
كان علي يعلم أن تأخر الإنجاب بعد تلك السنين يؤثر على نفسية زوجته فلم يكن يريد أن يزيد عليها
مرت تلك الليلة تاركة فى ذهن علي الكثير من الاسئلة وعلامات الاستفهام
فبعد يوم عمل طويل مر بالقسم على زوجته ليطمن على حالها بعد تلك الليلة ليجدها غائبة لم تسجل حضورها كذلك الحال في الأيام السابقة ولمدة اسبوع لم تذهب زوجته إلي العمل
تأكد علي من وجود أمر تخفيه نسيم وأسرع إلي منزله ليكتشف ما يخفى عليه
وجد المنزل فارغاً يفوح منه رائحة نتنة لم يستطيع علي امتلاك غضبه وأخرج هاتفه ليتحدث إلي زوجته
التي رآها بوجهه بمجرد التفاته إلي الخلف
اندهش علي وتسارعت نبضات قلبه
انتِ هنا من امته ؟

أنا هنا من زمان يا علي
بس أنا لما جيت مكنتيش موجودة في البيت كله
أنا متأكد ثم إيه ريحة البخور الغريبة دي ؟
من أمته بتحبي الراوئح دي ؟
أنا هنا من وقت كبير بس أنت اللي مش واخد بالك
والريحة دي لازم تخود عليها علشان هتكون موجودة دائما
ترك علي حقيبته على الأريكة ثم جلس يسترد أنفاسه رن هاتفه ليجد المتصل والدة نسيم زوجته التقط الهاتف ليتحدث إليها
ليجدها تلؤمها عن تلك الغيبة الطويلة التي انقطعت فيها اخبارهم ولم تحدثها نسيم لتطمئن على أحوالها
استعجب قليلاً وتجاهل حديثها الطويل واراد معرفة أمر تلك الليلة
..هى نسيم مكنتش بتكلمك بعد نص الليل الليلة اللي فاتت ؟
أبدا دى حتى مش بترد على تليفونها من أسبوع ولا فكرت تطمن عليا
..طمني عليها يا علي هي بخير؟
…أيوة هى بخير اطمني
للمرة الثانية يتأكد علي من وجود أمر تخفيه نسيم عنه أنهى علي المكالمة وأخرج رقم زوجته على الهاتف وضغط على الاتصال
ليسمع رنين هاتفها من بعيد ظل يكرر الإتصال وهو يبحث من اين يصدر الصوت والعجيب أن زوجته بالمطبخ لم تلتفت لرنين هاتفها
كرر علي الإتصال حتى وصل إلى غرفة نومه وجد أن الصوت يخرج من تلك الغرفة تقدم أكثر حتي استطاع سماع رنينه عن قرب إنه هنا أسفل مكتب علي يصعب على (علي) التقاطه ولكنه وصل إليه بعد أن قام بتحريك المكتب وجده ملئ بالتراب وكأنه وسط الرمال منذ مدة بدأ علي بالبحث فى سجلات الاتصال ليجد أخر مكالمة مستلمة منذ اسبوع أو أكثر كانت منه عندما طلب منها النوم لأنه سيظل تلك الليلة بالمشفى
لم يعد يدرك علي ما يدور حوله وانقسمت روحه إلي نصفين ووقع في فخ الشك عند نهوضه رأي دفتر نسيم المميز بلونه الأبيض و خيطه الاسود وتذكر أنها كانت كثيراً ما تسجل به ملاحظاتها
اخذ علي بالدفتر وجلس إلي مكتبه وبدأ بقراءة ما يحوى
هنا دونت نسيم أسرارها
كشفت عن علاقتها بجثث المشرحة وما مارست من سحر اسود لتستطيع الوصول إلي فتح إحدى المقابر الفرعونية
اندهش علي مما قرأ
فتلك الزوجة الطبيبة المثقفة
دونت بخط يدها ما فعلت من أمور خارجة عن الطبيعة
ذكرت نسيم علاقتها برجل يُدعى كريم بأواخر الثلاثين يعمل في مجال السياحة مولع بسرد قصص الفراعنة وخباياهم ويشهد لروحه بأنه واحد منهم ولكنه ولد فى الزمن الخطأ ذكرت فى دفترها كيف كانت ترشده آلهة الفراعنة بأماكن المقابر ولكنه كان يقف عاجزاً أمام كيفية فتح المقبرة فاؤمرهم كانت واضحة وصريحة في طلب بعض الطقوس الشيطانية والتي كانت يستخدم فيها جثث أموات كذلك دماء أموات لتتم تلك الطقوس لم يعرف من يساعده في ذلك الأمر حتى تواصل مع نسيم طبيبة التشريح عن طريقة أحد أصدقاءه والذي أخبره أنها مؤمنة بوجود قوى خافية وعالم اخر وهذا ما سهل الأمر على كريم فلم يجهد روحه كثيراً في إقناع نسيم بالأمر
التي رحبت به كثيراً بل واردت حضور تلك الطقوس
دونت نسيم تلك الكلمات لتكون شاهدة على أمر لا يصدق أرادت أن يأتي اليوم الذي تروي لأحفادها تلك التفاصيل بدقة
ولكنه لم يأت
فبعد أن قام كريم بتجهيز جميع الأمور وإحضار الزعفران الأحمر وهو ما سيقومون بالكتابة به على أجساد الموتى
قامت نسيم بتهريب خمس جثث من المشرحة ممن اتاؤا في حوادث قتل غريبة ولم يظهر أحد للاستلامهم
أرسلت تلك الجثث ليكونوا رهن إشارة كريم فى الوقت و الميعاد تم تنفيذ الجزء الأول من الاتفاق بينهم بكل سهولة حتى حان الوقت بينهم قام كريم بربط الجثث ببعضها من خلال خيوط الحديد الرقيقة
ثم رسم ونقش بالزعفران ما أراد من شبشبة وهى الكلمة المطلقة لديهم على حروف تحضيرهم
تلقيت اتصال من كريم يفيد أن العمل جاهز للمزاولة وعليا أن أحضر باكراً في الصباح
لا اعلم كيف سيمر ذلك الليل فأنا على موعد بثراء فاحش ثراء يجعلني أملك من الدنيا ما أريد ثراء يجعلني أستطيع معالجة عُقمي وإنجاب أطفال يرثون مالاً لا حصر له
أنه فقط الصباح
انتهى حديث نسيم هنا .
من التاريخ المدون اعلي الدفتر علم أنه قبل أسبوع من اليوم
تأكد أنه من أسبوع تغير مجرى حياته وحياة زوجته ولكن دون علمه خرج من غرفته باحثاً عن نسيم يمسك بيده ذلك الدفتر ولكنه لم يستطع هذه المرة مقاومة تلك الرائحة النتنة ظل يبحث من أين تنبعث تلك الرائحة حتى وصل إلي شرفة المطبخ الخاص بهم فمنذ يوم زفافه إلي الحين والشرفة مغلقة تماما لتستطيع نسيم استخدامها في. تخزين أدوات نظافة المنزل
اقترب علي وكلما اقترب زادت الرائحة و لقوتها جعلته يختنق مما جعله يلجأ إلي أحد المناديل الورقيه ليحجب تلك الرائحة عن أنفه لم يستطيع علي امتلاك أعصابه ولم يملك ردود فعل كافية ليعبر عن الصدمة التي تملكته حين رأى جثة زوجته امامه محللة ولكن ليست بالكامل تفوح منها الرائحة الكريهة يملأها الدود وقع أرضاً لهول ما شاهد غاب عن الوعى وفى سكرات فقدانه الوعى رأى الحقيقة كاملة
فذلك الأسبوع الذي عاشه علي مع زوجته الميتة لم يكن سوا وهم ونتيجة لما مارست زوجته من سحر أسود لقد عاش تلك المدة فى أحضان جنية تهوى لعب الادوار وتمثيل صورة الإنس أما عن الليلة الماضية التى عاشتها نسيم فى كابوس فكانت إحدى الليالي التى عاشتها وحيدة فى ظل غياب علي و انشغاله بالعمل ففى ليلة سابقة عاشت نسيم كوابيس تكاد تخنقها استعانت بالهاتف لتخبر علي حاجتها إليه
علي .أنا محتاجة لك دلوقتي حالا يا علي
تذكر علي جيداً حين كان رده بارداً لا يبالي لنبرة صوتها المرتجف
إيه شغل الولاد ده يا نسيم؟ أنا عندي شغل
أغلق علي هاتفه دون مبالاة وعاد إلي عمله
لتعود نسيم إلي فراشها باكية وحيدة
أيقن علي أن تلك الليلة الماضية التي عاشها مع نسيم لم تكن سوا إعادة لليلتها التي عاشتها وحيدة
استرد علي وعيه على أصوات كثيرة تنادي .
دكتور علي يا دكتور علي
فاق على وجود جميع جيرانه بمنزله لهم حرية التنقل هنا وهناك كذلك جعلوا من جثة نسيم مسرح جريمة لا أحد يقترب منه لحين وصول الشرطة
انتهى ذلك المشهد بعلي فى زنزانة وجميع الأدلة تشهد ضده بقتله زوجته
لم يحدث فرقاً بحديث علي عن تلك الأمور التي عاشتها زوجته مؤخراً إلا أنهم نعتوه بالجنون والهروب من الإعتراف بجريمته
ليصبح ضحية لجريمة لم يرتكبها
حتى ذلك الدفتر الشاهد الوحيد على حديث علي لم يجدوا له أثر
ليشك هو الآخر في قواه العقلية ويؤمن بفكرة أنه القاتل ويستحق العقاب
تلك الحياة التي عاشتها نسيم كانت لعنه لمن حولها
بقلم الكاتبة /نورا عماد هويدي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.