خديجة ايت قاس تكتب “وجع الفراق “


“وجع الفراق ”

أغلقت الممرضة الخط في وجهي دون أن تعطني أدنى تفسير ، وضعت الهاتف في جيبي و اتجهت بسرعة نحو الخزانة وفتحتها ثم ارتديت قميصي و خرجت مهرولا وقداماي لا تكادان تحملانني كأنني اتقهقر وكم من الأفكار ترفرف فوق رأسي حتى كدت أن انفجر ، أدرت مقود السيارة في ألم وقلب متكدر .

ترجلت من السيارة متجها نحو بوابة المستشفى صوب المصعد نحو الطابق الثالث ،ضغطت على الزر لأفتحه وكان يبدو أنه في رحلته نحو إحدى الغرف ، لم انتظر جريت نحو الدرج مسرعا ألهث والنور مسلوب من عيني لا أبصر سوى غرفتها .
وصلت وفتحت الغرفة ،وقفت مربد الوجه ومشدوه الذهن وأطرافي متصلبة مخدرة كالمؤرق في الهزيع الأخير من الليل ، مقشعر البدن بعينين متسعتين مبيضتين جفونهما لا ترف ،يوشك شعري أن يشتعل شيبا أمام منظر يعصب تفسيره . كان السرير فارغا ، كنت مصدوما يكاد الخوف أن يقتلع قلبي من جذوره و خائفا من أن يكون ما أفكر فيه صحيحا ،فجأة تذكرت الحمام ربما هي هناك، عادت الحواس إلي وشعرت بالأمل ، طرقت باب الحمام وأنا أكاد أذوب وسط أزيز أنفاسي المشفقة على حالي المصفد على جرف هاري يكاد يهوي بي في أية لحظة ، طرقته مرة أخرى ففتحته كان فارغا تماما عندها إزداد خوفي بل الهلع كان يوشك أن يكتم أنفاسي ،عدت مباشرة إلى الدرج و نزلت نحو غرفة الإنعاش فمن يعلم قد ساءت حالتها فأخذوها إلى هناك ، وعندما وصلت إلى الغرفة كانت مغلقة التفت فوجدت ممرضا كان متجها نحوي سألته وأنا ألهث
هل زوجتي في الغرفة؟
أجابني : لست متأكدا إنما أهل المريض موجودون هنا
استدرت إليهم ثم طأطأت رأسي الملتهب متكأ على أحد الكراسي غير مصدق و غير مدرك في أي وضع أنا موجود وأي كارثة ألمت بي ، عادت الأفكار مجددا لكن السرير الفارغ حسم كل شيء ، أي عالم من العوالم أتواجد ،أ أنا في كابوس أم خدعة أم الحقيقة ، فجأة تذكرت ممرضة الاستقبال ،هرولت مجددا إليها كالأحمق وشظايا الدمع تتطاير من عيني تشيد طقوس الوداع .
وصلت إليها فسألتها لكنها قاطعتني في حدة ….
سيدي … المرجو أن تأتي معي لقد تأخرت يجب أن نجري الإجراءات حالا لتأخذ الجثة
بقيت واقفا أمامها ضائع الخطى كأنني في أرض قفر انتظر طوفانا يهزني لأستيقظ من هذا الكابوس ، يا إلهي كم هي قاسية أبهذه البساطة؟ دون أن يرتد طرفها أو يرف لها جفن تقول جثة ؟!!!
اجبتها بصوت مختنق ووجهي يوشك الدم أن ينفجر منه
أي جثة ؟
تنحنحت ثم قالت ويا ليتها ابتلعت لسانها
السيدة … زوجتك!!!!
دار الصمت بيننا للحظة ثم نطقت مجددا بكلمات لم أسمع شيئا سوى شفتيها اللتين رأيتهما تتحركان، طأطأت رأسي لأمسح دموعي ثم سرت وراءها وأنا أهيم في تعاستي ألتي وزعها قلبي الذابل في أطرافي.
وقفت قرب قبرها بجسد مهجور كنفق مظلم نفرت منه الخفافيش لا شيء يرثي حاله سوى مخاض رحمه الذي يهزه معلنا عن ولادة قلب شعاره الحزن ، بقلة حيلة أشيع جثمانها وأودع روحها النقية حتى غادر الجميع وانفردت بوحدتي الموحشة التي ابتليت بها منذ هذه اللحظة ، اعتصر الدموع مثنا وثلاثا وهي غريبة وسط جفوني تواسي قلبي ، رفعت كفي ورددت الدعاء بصوت مختلج متعب واعدا إياها ان أصير شاعرها ،أرثي مماتها ما حييت ثم غادرت وتركت قلبي هناك…
خديجة ايت قاس.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.