محمد كمال يكتب مراجعة لرواية آنّا كارنينا


 

محمد كمال يكتب مراجعة لرواية آنّا كارنينا

آنّا كارنينا/ تولستوي

القلب، ذاك الشقي، لطالما أتعب العقل وأتعب صاحبه، ولأن لا حكم لأحد على قلبه، فإن القلب يفعل ما يبدو له دونما اهتمام بالعواقب. الكونتيسة آنّا آركاديفنا كارنينا، سيدة بارزة في المجتمع الروسي، نبيلة، فاتنة بطريقة تسلب ألباب السيدات قبل الرجال وتشعل نار غيرتهن. متزوجة من رجل الدولة رفيع المستوى، صاحب المنصب الهام، الكونت أليكسي كارنين. يمكننا القول أنها لا تحبه، لكنها تحترمه كثيرًا، هو زوج مثالي من الناحية الاجتماعية، يعرف واجباته ويؤديها أتم تأدية، يحرص على مظهره العام جدًا ومظهر العائلة، ولا يسمح لأي شائبة كانت أن تلوث ماء عائلته النقي، ولا أي ريشة لون طائشة أن تضيع ملامح لوحة سيرته البديعة.

آنّا كارنينا سعيدة مع زوجها وابنهما، ولا يجيء على بالها مسألة الحب تلك، فماذا تريد أو تنتظر من زوجها؟ إنه مثالي جدًا، روتيني جدًا، اجتماعي جدًا وموقر جدًا جدًا. ولكن جاءت اللحظة التي لم تحسب آنّا حسابها، وبدأت تضجرها علاقتهما، وتضيّق عليها حياتها، وتكتم أنفاسها وتخنقها، إلى أن كرهت كارنين، ورأته وحشًا لا يُطاق، وأصفاد تغللها، وسجن قاتم كئيب وضيق يفتت عظامها ويميتها.. حدث ذلك كله عندما وقعت في غرام الكونت فرونسكي، ذاك الضابط، الفارس، الوسيم والشاب الصغير في العمر.

تبدأ الرواية بتلبية آنّا كارنينا لطلب شقيقها في الحضور لمنزله، للإصلاح بينه وبين زوجته التي اكتشفت خيانته وضاقت ذرعًا به، لأنه لا يكف عن تكرار أفعاله القذرة. وكأن هذه نبوءة تطلعنا على حياة آنّا كارنينا ذاتها لاحقًا.

بالفعل تنجح آنّا في تضميد جرح علاقة شقيقها ستيفان أوبلونسكي وزوجته داريا. ولكن قبل ذلك، تلتقي بالكونت فرونسكي في محطة القطار، الذي جاء لاستقبال والدته، التي جلست معها آنّا بمحض الصدفة وتعرفا على بعضهما. ومن تلك اللحظة، تنقلب حياة آنا رأسًا على عقب.

تعشق فرونسكي ويعشقها، تفوح رائحة عشقهما، وتلوك الأفواه سيرتهما، يلاحظ زوجها وينبهها إلى أن تحافظ على صورته الرائعة المبجلة بين الناس. تكرهه أكثر لأن المظاهر هي ما تهمه وتشغله فقط، ولا تعرف أنه يعاني معاناة فظيعة، ويكابد مكابدة رهيبة، ويكتم هذا في نفسه ويبتلع الإهانة التي ألحقتها به والعار الذي ألصقته به في صمت وحسرة وألم.

تتجنب السيدات آنّا ويحذرن من أن يقتربن منها حرصًا على سيرتهن في المجتمع الذي نبذ آنّا وكنسها كنسًا.

ولولا عشق آنّا لفرونسكي، وحبها لابنها، لكانت انتحرت، فليس ثمة من يمكنه احتمال ما احتملته ويتجشم معاناته غير عاشق. ولكن بعد فترة تبدأ تشك في حب فرونسكي لها، وتملأ الغيرة قلبها. بعدما اختارته طواعية وأنجبت منه بطريقة غير شرعية، متخلية بذلك عن زوجها وولدها، وحياة الترف والشرف والنبل، وعن نفسها.

لتقع في براثن تعاسة ليس لها نظير، وتتخذ في لحظة قنوط بعد عذاب وتفكير وتأنيب للذات قرار غاية في الصعوبة واليأس والدمار.

على الجهة الأخرى، هناك ليفين، الشخصية التي تجسد المثالية والفضيلة والصدق، الذي يحب الأميرة كيتي ويكرس جل مواهبه وإمكانياته للزواج منها. والذي وازى تولستوي بقصته سير الأحداث.


قرأت الرواية مرارًا، أعتبرها مرجع أعود إليه قبل البدأ في الكتابة، ولا أداري أني عشت فيها جدًا وتأثرت بها.

تُرجمت الرواية لأكثر من لغة، وتحولت تقريبًا إلى ثلاثة عشر فيلمًا حول العالم، منهم مصر، فيلم نهر الحب بطولة عمر الشريف وفاتن حمامة الذي شاهدته بعدما قرأت الرواية، ووجدت أنهم غيروا كثيرًا من أحداث الرواية ولعبوا في الحبكة.


اقتباسات من الرواية:

كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة.

كثيرًا ما أظن الرجال لا يفهمون ما يتصل بالشرف، مع أنهم لا يفتأون يتحدثون عنه ويتشدقون به.

أعرف الجواد الأصيل من خطواته، والعاشق أعرفه من عينيه ولسانه.

المعذرة إن بكَّرتُ في الحضور، ولكني لم أجد ما يشغلني عن الشوق.

ومتى تعلق إنسان بإنسان آخر فهو لا يرى فيه إلا حسناته وخيره.

أنا لا أؤذي أحدًا غير نفسي، فلستُ أملك حق إيذاء الغير.

اسند قلبي، إنّه سنبلةٌ مائلةٌ نحوك.

إن الآراء تتعدد وتتنوع بتعدد العقول، لذلك تتعدد أنواع الحب بتعدد القلوب.

حتى أخطر الأشرار سيتورد خده لو قلت له أُحبك.

كلنا يخاف من الشك، ﻷنه يمزق الصدر.. ولكن متى انقلب الشك يقينًا مزق الروح.

ثم انزوى.. مُتحاشيًا النظر إليها كما لو أنها الشمس، لكنّه كان يراها دون أن ينظر إليها.. كما لو أنها الشمس.

أولى بك أن تسلم المسألة للقدر، فالزمان كفيل بحل أعقد المشكلات.

إنّ سعادة الوجود الوحيدة عندي تتضمنها هذه الكلمة التي تكرهينها: الحب.

ما زلت أستطيع أن أكون على شيء من النفع، من حيث أنا أداة، أما من حيث أنا إنسان.. فلست سوى أنقاضٍ خربة.

حتمًا ثمة مايعذبها . لكنها تبدو مهتمة فقط بإخفاء همومها.

لم تكن مرهقة فحسب، لكنها أخذت تحس بالذعر أمام هذه الحالة النفسية التي لم تعرفها من قبل. أحسّت أن كل شيء في أعماق كيانها بدأ يتضاعف، كما تتضاعف أحياناً الأشياء أمام العيون المتعبة.

أنا.. مثل حَبْل مشدود لا بدَّ أن ينقطع.

أنطقته، في خيالها، بكل الأحاديث التي يمكن أن تبدر عن رجل فظ، وأبت أن تغتفرها له وكأنه قد قالها فعلاً.

ومتى تعلق إنسان بإنسان آخر فهو لا يرى فيه إلا حسناته وخيره.

مرت عبر العيون الساخرة.. هو الوحيد نظر إليها بمحبة ورآها كمنبع ضوء.

أُخترع الاحترام لإخفاء مكان فارغ، حيث يجب أن يكون الحب.

قالت:
‏- معك، أستطيع أن أتعلم؛ لستُ أدري لماذا أثق بك.
‏قال:
‏- وأنا أيضًا أثق بنفسي عندما تستندين إلي.

إنكَ لا تستطيع أن تفهم.. أنا أشعر كأنني أسقط في هوة عميقة.. ولا أحاول ولا أستطيع أن أنقذ نفسي.

الخلاص الوحيد من الناس.. أن تخفي جراحك عنهم.

ما أجمل الصفح يا داريا ساعة يستحقه الإنسان.

أنا أحبك دائماً، وإذا أحب الإنسان، فإنه يحب كل شيء في الشخص كما هو وليس كما يتمنى أن يكون.

#محمد_كمال

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.