سلمى عثمان تكتب عبق الحياة


(عبق الحياة)

” اللي شوفته قبل ما تشوفك عنيا، عمر ضايع يحسبوه ازاي عليا”

الضجيج يملأ المكان، صوت صياح الأطفال، أغاني أم كلثوم، صوت حديث الجارات، صوت فتح المحلات التجارية.

كل هذا الضجيج يتسرب إلى أذن فلورندا، التي بدأت تسأم من كل هذا الضجيج ومن الحي نفسه، تُريد أن تلوذ ببعض الهدوء.

كانت تسير فلورندا في الحيّ بملامح مستاءة فما عادت قادرة على كل هذا الضجيج.

صوت الضحكات العالية التى أشجنت قلبها وحدها من أنتشلتها من حالة الإستياء التي كانت تكسوها، لترتخي ملامح وجهها قليلََا وتطلع إلى مصدر الضحكات، لتجد مشهد يأسر قلبها جد يُداعب حفيده في الشرفة في لحظاتٍ لم تأسر قلبها فقط بل روحها وعقلها وكل كيانها، وأخذت تتذكر صوت ضحكاتها هي وجدها رحمه الله أيضََا عندما كانت في عمر هذا الصبي.

ليتخلل إلى طبلة أذنها صوت أم كلثوم وهي تقول” أنت عمري، أنت عمري اللي أبتدى بنورك صباحه” الذي يصدر من مذياع العم سيد، هذا الصوت الذي تحفظه عن ظهر قلب منذ سنواتٍ طويلة، لم يمل يومََا العم سيد من سماع صوت أم كُلثوم.
كانت ترى نظرات الشجن في عيون العم سيد تلك النظرات التي لم ييأس من بثها لزوجته أبدََا، كانت وما زالت معجبه بهذا الحب الخاص بينهم، لتشرد في هذا الحب وتتمني مثله، لتتحول ملامح وجها لرقة باسمة.

جرس الدراجة يضرب يخبرها أن تبتعد من الطريق، وصوت فتاة من الخلف يقول: أنتبهي.
ما أيقظها من شرودها الأخير، لتبتعد عن الطريق وتتفحص الفتاة ذات الشعر القصير، والعيون الكحيلة، وهي تقود الدراجة، لتبتسم عينيها بينما يعود عقلها لما كانت عليه هي أيضََا كانت تُشبه هذه الفتاة كثيرََا، تقود الدراجة بشعرها القصير وهذا الحماس الجلي في عيون الفتاة، كأنها ترى نفسها مرة أخرى، أنتقلت إبتسامتها التي أصبحت مزودة بالحنين من عينيها إلى ثغرها، فلقد اشتاقت كثيرََا لهذه الأيام.

لتتفاجأ بالكرة ترتطم بساقها، لتسارع بتمريرها لصبيان الحي، الذين ما أن رأوها حتى سارعوا بالجري نحوها ليحيوها، ليقول لها مالك هذا الطفل الصغير الذي لم يتعدَ الخامسة بعد” كيف حالك يا خالة فنلندا؟” لتتحول إبتسامتها إلى ضحكات عالية، في العادة دائمََا ما كان يضايقها هذا النداءفنلندا لماذا ينادوها بأسم بلد على الرغم من أن لها أسم جميل تحبه، هذا النداء الذي كان يناديها به أصدقاءها حين كانت صغيرة، دومََا ما يستفزونها به عن قصد، كانوا يستطيعون قول” فلورندا” جيدََا إلا أنهم كانوا يفضلون استفزازها، وكان كلما سمع أحدََا أسمها ليباشر بسؤالها ماذا يعني هذا الأسم الغريب، لتبدأ في شرح معناه التي حفظته وفهمته من والدتها عن ظهر قلب ” يعني وردة شمال الشام”، ليردوا عليها ألم يجدوا أصعب من ذلك الأسم ليتم تسميتك به، لماذا لم تتم تسميتك وردة، على الأقل أسهل وهو وردة أيضََا بما أنهم يحبون الورد إلى هذه الدرجة، كان هذا يثير كثيرََا من حنقها، إلا أن أصبحت لا تبالي لهم، فهي تُحب أسمها كثيرََا، لذلك كانوا يستفزونها عن طريق منادتها ب “فنلندا”، أما الآن ما أن سمعتها من مالك شعرت بحلاوة وبراءة منادة مالك لها، لم يقصد استفزازها هو فقط لا يستطيع قول “فلورندا”، لأول مرة تفرح بمناداتها “فنلندا هكذا، لتجيب مالك وهي تقوم بحمله وتقبله من وجنته :بخير يا روح خالة فنلندا.

لتُكمل طريقها وبينما هي تسير بالطريق تتعالي الصيحات التي تقوم بتحيتها” كيف حالك يا فلورندا؟ “،” أبلغي سلامي لوالديك”،” هيا تعالي لتفطري معنا يا فلورندا”

لترد عليهم بإبتسامات” بخير يا عم أحمد”، ” من عيوني يا خالة”، ” شكرََا يا عم إسماعيل لكني فطرت”.

لتشرد فلورندا بذكرياتها، كيف أن هذا الحي هنا يحب بعضه البعض، لم تكن دعوة العم إسماعيل لها للإفطار دعوة لحفظ ماء الوجه_ عزومة مراكبية_، بل دعوة صادقة نابعة من القلب، فالعم إسماعيل دائمََا ما كانت تفطر معه، بل كل الحي تقريبََا، فهو دائمََا كذلك يُصر على أن يجمع الجميع حول مائدته، في الحقيقة لم يكن العم إسماعيل وحده كذلك، بل تقريبََا الحي كله، جميعهم يؤمنون بمثل” لقمة هنية تكفي مية”؛ فهي تتذكر جيدََا موائد الإفطار الجماعي في هذا الحي، وتتذكر موائد السحور أيضا، جميع الحي يلتف حول هذه الموائد، إنهم عائلة كبيرة، تتذكر كيف أنهم يتشاركون الفرح والحزن.

لتصل فلورندا إلى محل الخضروات لتشتري بعض الخضروات، لتقول : كيف حالك يا محمود؟
ليرد محمود : بخير، كيف حالك أنتِ يا دكتورة؟
لتبتسم فلورندا، هاهو رغم مرور السنين مازال يناديها دكتورة، رغم أنها لم تدخل أي مجال من مجالات الطب، إلا أنه يقول ذلك من وقت شهادة الإعدادية، التي حظيت عليها بمعدل مرتفع، رغم أنها الآن تخرجت من كلية تجارة، إلا أنه مازال يناديها بدكتورة بنفس نبرة الفخر كل هذه السنوات.

لترد فلورندا: بخير يا محمود، كيف حال إبنك؟

لم تنتبه فلورندا بجواب محمود، وكالعادة يقص عليها ما يفعله محمد إبنه.

إلا أنها هذه المرة كانت شاردة في هذا الحي، الذي هو عبق الحياة، كانت شاردة كيف أنها كانت غبية لهذه الدرجة، كيف كانت مستاءة ومنزعجة من ضجيج هذا الحي، إلا أنها أدركت أن هذا الضجيج الذي يزعجها ما هو إلا ألحان متفرقة، كل شخص وكل صوت وكل لحظة هي لحن منفرد، كان يجب عليها فقط أن تفتح أفاق قلبها لتسمع هذه الألحان.

أدركت أنه يجب عليها أن تستمع لتلك الألحان جيدََا، وترقص بإبتسامتها وقلبها عليها.

تنهدت فلورندا لتقول بهمس: إن هذا الحي ألف رواية وحكاية.

هذا الحي هو لوحة فنية مليئة بالتفاصيل، تحتاج لفنان يراها.

لتسمع مذياع العم سيد من بعيد وتتردد في أذنها كلمات أم كلثوم” الليالي الحلوة، والشوق، والمحبة من زمان والقلب شايلهم عشانك”

هنا في هذا الحي من القاهرة، يوجد عبق الحياة.

#سلمى_عثمان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.