بيان عاجل (ذكرى مدرسة بحر البقر) تكتبها صفاء حسين العجماوي


بيان عاجل (ذكرى مدرسة بحر البقر) تكتبها صفاء حسين العجماوي
من بين سحب إبريل الناعسة تستيقظ شمس الثامن منه بكسل، تنشر أشعتها الذهبية مبددة ظلام ليلة باردة، تبخر الصقيع، وتدفء الحجر، والشجر، تداعب الوريقات الغافية، وتعلن يوم جديد. جفون تفتح لتبصر النوم، والكل ينادي حي على الفلاح بلغته، من طير وحيوانات وبني الإنسان.
دجاجات تخرج من القن تبحث عن فتات يقيم صلبها، وبقرة تودع سيدة الدار بخوار، وهي تتبع سيدها، ومن خلفها عجلها الصغير. حمار يقود المسير على ظهره يركب صبي صغير يرتدي إيه المدرسي، وبين يديه حقيبة من الخيش، وضع بها كتبه وأوراقه وأقلامه، وأمام عينيه حلم عائلته بأن يصبح طبيبًا، يعمل بوحدة صحية تخدم الجميع. وصل الركب المؤلف من الصبي ووالده وحيوناتهما إلى مبنى خرساني من طابق واحد يحتوي ثلاثة فصول، كتب على باب سوره مدرسة تحمل اسم القرية. بقفزة من اعتاد على أتيانها نزل الصبي، وحمل حقيبته على ظهره، وودع والده ليلحق برفاقه، فاليوم الدراسي على وشك البدء، بطابور صباح وتحية علم.
نصل حديدي بيد خشبية تلمع تحت أشعة التاسعة صباحًا، منجل بيد فلاح نزع عن جسده المنهك جلبابه الرمادي، ووقف يجز الحشائش بيديه الخشنتين من كثرة العمل، ولسانه لم يتوقف عن ذكر ربه، والدعاء لابنه القابع مع رفاقه على خط التماس مع عدو غاشم خبيث، عديم الشرف، يمنعونه من التقدم، ويحسرونه على احتلاله أرضنا. على بعد أمتار كان جاره يمسك بفأسه بحماس، ومن خلفه ولده الصغير يطعم الحيونات، فقد تغيب ليوم واحد عن مدرسته ليساعد والده.
حمل صغير ترك أمه، وركض يلهو في الحقل، مستمتعًا بدفء الشمس، ونسيم الصباح المحمل برائحة عشب جز حديثًا، أثار شهيته، ومن خلفه اندفع صبي سيتم السادسة شهر سبتمبر المقبل، ودع أخاه الأكبر ذو العشر أعوام على المدرسة، وهي يحلم بأن يدخلها معه العام الدراسي الجديد.
فجأة شقت السماء طائرات سوداء ضخمة، أثارت فزع الطيور، وتمايلت الأشجار بعنف، حتى كادت تكسر، وصوت مخيف فقد أخترقت الحاجز جمد المشهد، تبعه أصوات انفجارات ضخمة متتابعة هزت الأرض كأن زلازلها ثارت في غضبة واحدة. حرائق ونيران وغبار مبنى دك على من فيه، حرك الجمود، هرع الجميع صغارًا وكبارًا، نساء ورجال نحو مصدر الانفجار، ليجدوا المدرسة أصبحت أثرًا بعد عين. دماء تجري على الأرض بسرعة، تنافس صرخات الثكالي. نداءات بأسماء الأطفال بلوعة قلوب أمهاتهم، وركام رفعه الأباء، ليسحبوا الأجساد. بعضها فارغ من الحياة يريحونه بجانب بقايا السور، بعد أن أخذوا من أيديهم كتبهم الملطخة بدمائهم الذكية، والآخرى تئن بوهن، فيركضون بها ليسعفوها. أطفال يدورون بين سيقان الجميع يبحثون عن أخوتهم وجيرانهم، يضمون لصدورهم بقايا أحرف كتبوها على أوراق تعطرت بدمائهم. وقطعت الإذاعة المصرية بثها وذاعت بيانها العاجل الذي حمله الأثير ليلف كوكب الأرض، يهزها معلنًا وفاة الإنسانية
“أيها الأخوة المواطنون، جائنا البيان التالي.. أقدم العدو في تمام الساعة التاسعة و20 دقيقة من صباح اليوم علي جريمة جديدة تفوق حد التصور، عندما أغار بطائراته الفانتوم الأمريكية على مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة بمحافظة الشرقية وسقط الأطفال بين سن السادسة والثانية عشر تحت جحيم من النيران”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.