د.إيمان الزيات تكتب فلاكا


 

فلاكا

بقلم د/ إيمان الزيات ـ مصر

ملخص القصة:
تدور أحداث القصة حول الفتاتين (صفاء)، و (سميرة) ، تتعرض احداهن إلى العنف البدني الجسيم بينما تعاني الثانية من العنف النفسي والتهميش من أسرتها المفككة بطلاق الوالدين، الأب (عدي) أب سلطوي يعاني من تنشئة مغلوطة يمارسها بالتالي على أبنائه، تتجه الفتيات إلى مخدر الفلاكا ولكن تتدخل المؤسسة المدرسية لتنقذهما في اللحظة المناسبة، وتنقذ بذلك الوالد “عدي” ضمنياً، بعدما تتضح الأسباب التي شكلت شخصيته العنيفة.
نبذة عن أهم الشخصيات:
((صفاء)) شابة مراهقة ذكية و جميلة، نحيفة، طويلة الشعر، تبدو عليها ملامح الاستكانة ، تميل للصمت، تخفي معظم وجهها بشعرها عادة وعادة ما ترتدي سترة لها غطاء ترفعه على رأسها، تعودت أن تكتب ما تشعر به في شكل أشعار وخربشات وخواطر، لها صديقة وحيدة هي (سميرة) التي تشعرها دوماً بالحماية إذا تنمرت عليها احدى الطالبات بالمدرسة))
((الأب/ عدي)) قوي البنيان، عنيف، عصبي، له صوت جهوري، أجش ، متعكر المزاج بشكل عام، يهتم بمظهره جداً أكثر من اهتمامه بمظهر زوجته وأولاده، ولا يستطيع أحد الجلوس في مكانه أو لمس أشيائه كالموبايل أو المفاتيح أو الولاعة أو علبة السجائر إلا إذا طلب من أحدهم أن يحضرها له، إذا دخل البيت صمت الجميع وأغلق التلفاز ، عادة ما يرمي أطباق الطعام على الأرض إذا لم يعجبه، وأسوأ الأوقات تكون حين تجتمع الأسرة لتناول وجبة ما حيث يبدأ التأنيب والتهكم على كل أفرادها، يميل لايذاء أبنائه إيذاءً نفسياً وبدنياً اعتقاداً منه أنها الطريقة المثلى في التربية والتأديب ، وهي الطريقة التي رباه بها والده في صغره، كما أنه كثير المشاحنات في العمل ويسفه دور زوجته والمرأة عموماً لأن والدته لم يكن لها أي دور في منع ايذاء أبيه عنه)).
((سميرة)) صديقة صفاء وزميلتها فتاة تعاني من التفكك الأسري ، تعيش حياة متسيبة من دون رقابة ولا توجيه، انفصل والديها وتزوج كل منهما، تعيش حياتها موزعة على بيوت الأب، والأم، والجدة ، يحاول الجميع تعويضها بالمال الذي يساعدها على شراء المخدر للهروب من واقع أنها شخصية مهملة وغير محبوبة ، تشعر بالتعاطف تجاه صفاء ، وتميل لحمايتها ، عنيفة مع زميلاتها وسيئة مع الأساتذة في الغالب، ومتأخرة دراسياً، تبدو قوية ظاهرياً لكنها في الحقيقة أكثر تحطماً وهشاشة من صفاء – شعرها قصير – قوية بدنياً)).
تبدأ مقدمة الفيلم “التتر” بلقطة حية من بيت البطلة صفاء حيث ترتكز الكاميرا على عصفور قليل الحركة عديم الزقزقة داخل قفص في شرفة بيت ، أثناء ذلك يعرض تصاعدياً في منتصف الشاشة اسم الفيلم والأبطال وقصة وسيناريو وحوار وتصوير ومونتاج وماكياج وانتاج واخراج… الخ
ملاحظة: يراعى عند تصوير لقطات الأب أن تؤخذ من زاوية منخفضة حتى يبدو كبيراً وعملاقاً ، وبالعكس في لقطات الأبناء حتى يظهروا بالضعف والضآلة.. أما عن اللقطات التي تجمع صفاء وسميرة فتؤخذ لتظهرهما متساويتان في الحالة ، وفي النهاية تؤخذ لقطات واسعة تضم الأسرة كلها. وكذلك في الفصل وفي الفسحة.


وبعد نهاية التتر تنتقل الكاميرا بسلاسة إلى فتى/ هو الأخ وهو يتسلل متلفتاً، ويسير بحذر على أطراف أصابعه ليفتح باب القفص للعصفور وقبل أن يفعل تداهمه قبضة والده الذي عاد من عمله وفتح باب البيت ودخل دون أن يشعر به أحد.
الأب: يمسك كتف الفتى قائلاً: مازن..!
الفتى ينظر له برعب جلي ويزدرد ريقه دون أن ينطق..
الأب: ماذا كنت ستفعل، ولماذا تسير متلفتاً كاللصوص ؟
الابن: أأ… أنا
الأب: انطق..
الابن يضع ساعديه متعاكسان أمام وجهه مخافة أن يصفعه الأب فجأة كما يفعل دوماً ويرد بصعوبة:
كـ كـ كنت سأفتح باب القفص للعصفور كي يطير قليلاً في الغرفة يا أبي..
الأب: وماذا إذا طار من الشرفة وخسرناه، أتعرف كم أنفقت من مال على اطعامه، وفي النهاية تأتي أنت وتفتح له باب القفص بكل بساطة ليطير ..!
الابن: لكنه لا يأكل منذ أيام، وقد كف عن الزقزقة والحركة، أشعر أنه سيموت في قفصه، ففكرت أنه لو خرج ورفرف بجناحيه قليلاً بعيداً عن هذا البيت الحديدي الضيق ربما يُدخل ذلك السرور على قلبه، ويعود كما كان.
الأب: اسكت يا مجذوب، عصفور يشعر بالحزن، كيف ستصبح رجلاً صلباً وأنت تفكر بتلك السخافة، اذهب واتركه ..
الابن: ولكن..
الأب: قلت لك اغرب عن وجهي..
ينطلق الفتى إلى غرفته ليتحاشى تصاعد ثورة أبيه الذي راح يركله..
((لقطة سريعة على العصفور الذي لم يتغير حاله في القفص)) عدي بصوت جهوري: أين الغداء؟


“ثم ينتقل الكادر إلى البطلة (صفاء) في غرفتها وهي تستعد للذهاب إلى المدرسة في صباح اليوم التالي…”
تألمت صفاء حين لامست من دون قصد تلك الكدمة الزرقاء التي كانت تحاول جاهدة إخفاءها أمام المرآة بخصلات من شعرها الطويل الكثيف، لم تشأ أن ترتدي نظارة سوداء مثلما فعلت في المرة السابقة كي لا يطالبونها بخلعها في المدرسة ويكتشفون الأمر، أسدلت أكمام قميصها على ذراعيها لتخفي أثر جلدات الحزام، ورفعت غطاء الجاكيت الذي اعتادت أن ترتديه على رأسها، ثم تناولت حقيبتها وخرجت من الغرفة وقبل أن تخرج من البيت ، تسمرت في مكانها حين سمعته يناديها بصوته الجهوري الأجش:
الأب: صفاء..
تسارعت ضربات قلبها، وراح صدرها يرتفع وينخفض كأن قلبها قد تحول لفرس مرتعب، وقفت تراجع في ذهنها ما فعلته منذ استيقظت في السادسة صباحاً حتى الآن ، تفكر هل فعلت ما يغضبه، هل فتحت شباكاً أو أغلقت باباً..؟ هل كان الباب أو الشباك مفتوحاً وأغلقته بينما كان لا يزال نائماً، هل هناك صوت تلفاز؟!
((من الممكن اظهار تلك الأفكار أثناء صمت البطلة في شكل لقطات متتابعة سريعة للباب والشباك والتلفاز كأنها نظرات صفاء))
كان عقلها يعمل بسرعة كبيرة في جزء من الثانية، هي تعرف أنه يستطيع أن يجعل من الأمور العادية أموراً مغضبة بالنسبة له، خرجت الأم من المطبخ وفي يدها كوب الشاي الذي يشربه عدي قبل أن ينزل لعمله، وقفت به على مقربة منها تدعو الله أن يهديه فلا يؤذي ابنتها مرة أخرى أو يمنعها من الذهاب إلى المدرسة..
الأم رافعة عينيها للسماء بتوسل: يا رب يعدي هذا النهار على خير..
أما اخوتها فلم يجرؤ أحد منهم على الظهور حتى لا ينتقل سعير الغضب غير المنضبط إليه في أي لحظة.
بدا صوتها مرتعشا وهي تجيبه: نـ. نـ. نـ .نعم بابا ..!
الأب: موعد انتهاء الدوام هو الثانية ، والطريق من المدرسة إلى هنا يمكنك أن تقطعيه في 10 دقائق..
علت نظرات التعجب وجه الأم؛ فالطريق يستغرق على الأقل 20 دقيقة إذا قطعته ابنتها ركضاً وليس سيراً على الأقدام..!
حاولت شرح ذلك قائلة: ولكن يا عدي لو أنها قطعت هذا الطريق ركضاً وليس سيراً لاستغرق منها على الأقل عشرون دقيقة…
الأب: اسكتي أنتِ، ثم أكمل مستأنفاً كلامه: ولستُ في حاجة كي أخبركِ ماذا سأفعل إن علمتُ بعودتكِ بعد هذا الموعد، مفهوم..
صفاء: مـ . مـ. مفهوم.
(بعد انتهاء الأب من حديثه العنيف لابنته لقطة لصفاء وهي تقف خلف قفص العصفور كأنها حبيسة في قفص العنف أو كأنها في سجن مثل العصفور الذي لا يملك من أمر نفسه شيئاً )
قطعت صفاء الطريق إلى مدرستها ركضاً لأنها كانت قد تأخرت بالفعل ولم تستطع أن تلفت والدها لذلك تحاشياً لنوبة غضب جديدة قد تنتابه مثلما حدث بالأمس حين عاد من عمله مهتاجاً وصب جام غضبه عليها ضرباً، وسباً، وركلاً بالقدم بحجة أنه سمع صوت التلفاز من غرفته ، وذلك قبل أن يتيقن أن الصوت من بيت الجيران لا من بيتهم، لابد أنه قد اشتبك مع زميل له في العمل وكانت هي الضحية كالمعتاد.
(صوت أنفاسها المتلاحقة أثناء الركض، وكادر واسع يظهر الطريق طويلاً جداً أمامها )
طرقت صفاء باب فصلها وهي لاهثة واستأذنت في الدخول ، فسمح لها المعلم، دخلت مطأطأة الرأس تحتضن حقيبتها ، فأفسحت لها زميلتها ((سميرة)) المكان، وهي تسألها:
لماذا تأخرتِ ..؟!
فترد صفاء بصوت خفيض: سأحكي لكِ بعد الدرس..
((يطرق المعلم بقلمه فوق المكتب وهو ينظر لهما لتصمتان وتنتبهان لما يقول..))
كان الأستاذ (رحيم) يشرح درس اليوم حول قيمة الحوار والمناقشة في بناء شخصية الإنسان فيقول :
“ إن الحوار المتبادل بين الأفراد يخلق جواً محبذاً من التفاهم ويساعد الشباب على مواجهة المواقف الصعبة في الحياة من خلال نقل خبرات الأب والأم والمعلم إليهم، فالبيئات الاجتماعية التي تسودها روح التفاهم والحوار وحرية التعبير عن الذات ومكنوناتها؛ هي بيئات آمنة تعزز الثقة بالنفس وتقضي على مشاعر الخوف أو التردُّد ”.
وأثناء ذلك تتجول الكاميرا على الفتيات المنتبهات لشرح المعلم في الفصل، وتمر ببطء على وسائل الإيضاح واللافتات المعلقة على الحوائط، لافتة مكتوب عليها (الخطوة الأولى للنجاح تكمن فى رفضك الاستسلام للظروف المحيطة).
تستقر الكاميرا على المعلم الذي يلاحظ انشغال صفاء فيناديها ولا تسمعه، كادت سميرة أن تنبهها لولا أن المعلم وضع اصبعه أمام فمه آمراً اياها ألا تفعل، فسارعت واخفت صورة لها مع شاب في درج مكتبها قبل أن يصل المعلم لهما، كانت صفاء أثناء ذلك غارقة في أفكارها الخاصة، تخربش في دفترها كالمعتاد حتى أنها لم تنتبه حين توقف معلمها عن الشرح
و وقف خلفها من دون صوت ليرى ما يشغل صفاء التي ما زالت غارقة في عالمها الخاص عن متابعة الدرس، راح يقرأ ما تكتبه من خربشات في نهاية دفتر الحصة …
((المعلم يقرأ وصوته الداخلي يظهر للمشاهد…))
((عين النمر))
جسدي ملجأ لغضبه..‘
كما الغابة ملجأ النمر، ولحم الفريسة مسكن نابه ومخلبه
يا سكان العالم الشرقي
تعلموا العد على تلك الأصابع المطبوعة فوق خدي الأيسر
وتأرجحوا فوق أحبالي الصوتية التي لا تجرؤ على الصراخ
سددوا الطابة لبؤبؤ عيني كي لا أراه مرة أخرى ولا أراكم.
اتركوني كي أضع رأسي على شراشف الوقت المستقطع
فأنا ممددة على سرير العالم في منطقة وسطى بين الحياة والموت
أخشى من عين النمر التي تظهر لي في المحاق
ومن نابه الأزرق الذي يمزقني لأجزاء تكره بعضها البعض..
المعلم يقف أمام صفاء التي تنتبه أخيراً لوجوده فتقف في مكانها وتضع يدها على ما كتبت لتخفيه حين يسألها:
المعلم: ما هذا الذي تكتبينه يا صفاء، ولماذا لا تنتبهين للشرح ؟
صفاء: لا شئ أستاذ رحيم ، أنا آسفة جداً
المعلم: لقد تغيرتِ كثيراً ، أين تلميذتي صفاء الذكية المنتبهة، التي لا تتأخر عن حصصها أبداً
تنزل دموع صفاء وتقول بانكسار: أنا….
الفتيات يتهامسن فيما بينهن عليها، وتصفها احداهن بأنها .. غريبة الأطوار .. فينهرها استاذ رحيم ويلتفت لصفاء ويقول بلطف : اسمعي يا ابنتي إذا كان لديكِ مشكلة وأردتِ أن تتحدثي فأنا موجود في أي وقت..
تطرق صفاء برأسها للأرض وتقول: شكراً أستاذ رحيم
المعلم: الآن اجلسي وحاولي أن تنتبهي للشرح.
صفاء: حاضر..
بالطبع لم تكن صفاء تجرؤ على الشكوى لأحد يستطيع التواصل مع والدها لأنها تعرف أنه سوف يفتك بها إن علم أنها تشتكيه لأحد وحدها سميرة من تستطيع أن تتكلم معها بحرية .
يعود استاذ رحيم للشرح يكون صوته في الخلفية ويظهر صوت (سميرة) وهي تتحدث إلى (صفاء) بصوت حتى لا يسمعها المعلم قائلة:
سميرة: جلسة التوبيخ الصباحية المعتادة ؟
صفاء بصوت يائس: نعم، ثم تنسى وتحرك شعرها فتظهر الكدمة
سميرة بتأثر واضح: ما هذا يا صفاء، هل ضربكِ (البُعبُع) مرة أخرى.
صفاء تعيد شعرها كما كان لتواري به الكدمة التي انكشفت وتقول: اسكتي يا سميرة.. المعلم ينظر نحونا!
سميرة: سأسكت ولكن ستحكي لي كل شئ في “الفسحة”.
يتظاهران بالانتباه للشرح..
مرت حصص النصف الأول من اليوم الدراسي على صفاء وهي لا تستطيع التركيز ، كل ما كان يشغلها كيف يبدو شكلها أمام الجميع، وكيف تخفي آثار هذا العنف الوحشي الظاهر بعضه على مواقع مختلفة من جسدها بخلاف كثير منه كان مستتراً.
في “الفسحة” حين لمحت سميرة تلك الفتاة التي نعتت صفاء بأنها (غريبة الأطوار) توجهت نحوها واسقطت الغداء من يدها على الأرض، وقالت لها مهددة: لا غداء لكِ اليوم؛ هذا جزاء من ينعت صديقتي بأنها غريبة الأطوار..
لم تجرؤ الفتاة على الرد لأنها تعلم مدى عنف سميرة وقدرتها على سحق كل من تقف أمامها من الفتيات.
صفاء: لماذا فعلتِ ذلك يا سميرة أنا أخشى أن تشتكينا إلى المديرة فترسل استدعاءً لأولياء أمورنا ونزيد الطين بلة..!
سميرة: دعيها تفعل ذلك وأعدك أن أكسر ساقها في اليوم التالي، ثم لمن سترسل المديرة الاستدعاء لوالدي أم لأمي أم لجدتي المريضة والملازمة للفراش التي أعيش في بيتها، لا أحد سيحضر أو يهتم لأمري ، فكل منهما مشغول ببيته الجديد وأولاده، أنا غير موجودة ولا مرئية بالنسبة للجميع، لا يذكرهم بي سوى المصروفات الشهرية (تقول حديثها بسخرية مؤلمة).
صفاء: ولكن ماذا عني يا سميرة، ماذا لو أرسلوا استدعاء لأبي، فأنت تعرفين ردود فعله..!
تتفحص سميرة بأصابعها الكدمة على وجه صفاء التي تتوجع، و تبتعد عن يد صديقتها وتسدل شعرها على نصف وجهها من جديد وتقول بانكسار: الحمد لله أن شعري قد نما واستطال أخيراً بعدما حلقه أبي من جذوره في الاجازة الصيفية لأنني قبلت اضافة ابن عمي على حسابي الشخصي في الفيسبوك، هكذا أستطيع أن أخفي كدمات وجهي وراءه.
سميرة: عجباً لأمركِ يا صفاء مازلتِ تقولين أبي ، قولي البعبع ، بوجي مان ، أنا لا أعرف كيف لهؤلاء الرجال أن يكونوا آباءً..
لكن أتعلمين يا صفاء ربما تكونين أكثر حظاً مني، فلكم تمنيت أن أعيش وسط أسرة كأسرتك حتى وإن كنت سأعاني من الضرب والتنكيل مثلك؛ فعلى الأقل سأشعر بأني موجودة ومرئية بدلاً من شهوري بالتجاهل والضياع.
صفاء: تقولين هذا لأن يدك في الماء كما يقولون يا صديقتي..
سميرة: أتعرفين أحياناً أترك (سامر) صديقي يضربني إذا غضب ولا أعترض لأشعر بهذا الوجود.
صفاء: إن الضرب يهشم الكرامة، ويمزق الروح يا سميرة، ويحولك الإيذاء أيضاً في النهاية لطيف لا يرغب في الحياة.
سميرة تفكر في كلام صديقتها تهز رأسها كأما تفكر في كلام صديقتها وتقول: صحيح، لكنني وجدت الحل.
صفاء بانتباه: الحل، أحقاً ما تقولين يا سميرة..؟
سميرة: نعم..
صفاء بلهفة: وما هو ..؟!
سحبتها سميرة من يدها واتجهت بها إلى حمّام الطالبات، بعدما تأكدت من خلوه دلفت مع صديقتها وأغلقت عليهما الباب.
صفاء متعجبة: ما هذا، وماذا نفعل هنا في حمام واحد..؟!
سميرة بصوت خافت: هششش.. أريكِ الحل
ثم أخرجت شيئاً من جيب خفي في تنورتها رفعته لأعلى ونظرت له بانبهار شديد، وقالت : هاهو الحل السحري، إنه (الفلاكا) تقولها بطريقة مسرحية.
سميرة: قليل منه وستجدين نفسك في عالم آخر لا يوجد فيه أشخاص مثل أبيك ومثل أبي وأمي، ستغادرين هذا الكوكب الكئيب، حيث لا تكونين ضعيفة ولا مغلوبة على أمركِ، وستشعرين بقوة لا مثيل لها،
صفاء تسرح بنظرها لأعلى كأنها تتخيل الأمر،
سميرة: إنها رحلة مجانية أهديها لكِ يا صديقتي الحبيبة، كنت قد أحضرت ذلك الحل السحري لنفسي ولكن يبدو أنكِ اليوم أولَى به مني.
صفاء بوجل: لـ.. لــ .. لكن ..
سميرة: لا تترددي؛ الوقت قصير .
صفاء كأنها تحدث نفسها: ماذا سأخسر من هذه التجربة أنا لا أستطيع تحمل الألم النفسي الذي أشعر به ولا أطيق الحياة، أريد أن أموت لا أن أغيب عن الواقع، هاته يا سميرة.
تناولت صفاء المخدر من يد صديقتها، ولكنها لم تشعر بأي تغير فوري؛ فلم تلقِ للأمر بالاً حتى سمعتا صوت الجرس وعادتا إلى فصلهما الدراسي، كان قد مضى على تناول صفاء ذلك المخدر نحو ثلث الساعة، وسرعان ما بدأت تتعرق، وترتفع حرارتها، وتتسارع ضربات قلبها ، نظرت لصديقاتها فإذا بها تراهن قد تحولن لقطط تموء، وإذا بالمعلم يتحول لأسد لا ينقطع زئيره ، الحشرات تزحف على حوائط الحجرة الدراسية، والثعابين تسعى على الأرض، (الصورة مهزوزة تقترب وتبتعد من المشاهد).
قفزت صفاء فوق درجها وبدأت تصرخ وتسد أذنيها بيديها ، حالة من الهرج سادت الحجرة الدراسية والطالبات ما بين ضحك وصراخ يشيرون نحوها أو يركضون نحو الباب، خاصة حين قفزت صفاء على بعضهن وانقضت على معلمها، بصعوبة شديدة استطاعوا الامساك بها ووضعها في غرفة منفصلة ، كانت صفاء تحدث ضجة كبيرة وتقلب الكراسي والأشياء ، حين دخلت عندها الزائرة الصحية التي استدعوها ، وعندما خرجت كان والد صفاء ووالدتها قد حضرا بالفعل لغرفة المديرة.
الأب: اتركوني أذهب لها، دعوني أؤدبها، ثم اندفع لغرفة الفتاة، وحين رآها تسمر في مكانه، كانت صفاء في حالة يرثى لها مهوشة الشعر، وقميصها الممزق قد أظهر ضربات حزام أبيها التي كانت تخفيها، تحفر في الحائط بأظافرها، لما رأته أمامها انقضت عليه ثم بدأت تخمش وجه أبيها وتضرب صدره وهي تصرخ، بصعوبة خلصوه من بين يديها وحقنتها الزائرة بمهدئ وتركتها لتستريح.
أما ((عدي)) فقد تجمدت افكاره وهو يحاول أن يفهم ما حدث منذ قليل دون جدوى حتى نادته مديرة المدرسة قائلة:
من الواضح يا أستاذ عدي أن ابنتك صفاء قد تعرضت لعنف أسري شديد على يديك، وهذا ما أدى بها إلى تناول مخدر (الفلاكا) المدمر كما أخبرتنا صديقتها المقربة سميرة .
الأب بذهول: مخدر.. فلاكا..!
الاختصاصية الاجتماعية والنفسية: كنا سنقوم باستدعائك اليوم على أي حال بعدما أبلغنا مدرس الفصل الأستاذ رحيم عن حالة ابنتك وعن الكدمة الزرقاء بوجهها.
عدي يشيح بوجهه غاضباً، والأم تنظر له بادانة ..
عدي: وهل تأديب الأب وتربيته لابنته في هذه الأيام يجعلها تتناول المخدرات..!
المديرة: إن الضرب والإيذاء البدني ليس بدواء لأي داء سيد عدي؛ وغالبياً ما يأتي بنتائج عكسية وكارثية.
الاختصاصية: لا تتعجب سيد عدي فالعنف الأسري والعلاقات المسيئة ، والضرب والركل، والدفع والصفع ، السحل وحلاقة الشعر واخبارك المستمر لابنتك بأنها تستحق هذا السلوك المؤذي ، من أهم الدوافع لتعاطي الشباب المخدرات بأنواعها المختلفة التي تستطيع سحب الشخص من العالم الذي يعيش فيه ووضعه في عالم آخر انفصالي ملئ بالهلاوس والضلالات.
عدي متعجباً من معلوماتها..!
المديرة: لقد أخبرتنا سميرة بكل شئ..
الاختصاصية مستأنفة: و تكمن خطورة المخدرات في أنها لا تعطي الشعور بالنشوة فقط لكنها تعطي أيضا احساساً كاذباً للمتعاطي بأن لديه قدرات خارقة ، فيتحول في خلال لحظات من التعاطي إلى ما يشبه بالشخصيات المرعبة في الأفلام ، مثل الزومبي ومصاص الدماء، وهذا ما كانت تحتاج إليه ابنتك، الشعور بالقوة بدلاً من شعورها الدائم بالضعف والانكسار وقلة الحيلة.
الزائرة الصحية تلتقط طرف الحديث منها لتقول: مخدر الفلاكا، هو مخدر صناعي زهيد الثمن ، يصيب من يتعاطونه بالإدمان بعد ثلاث مرات متتالية فقط ، والحمد لله أن صفاء لم تتناوله إلا مرة واحدة .
كانت الأم تبكي بحرقة وهي تسمع ما يقولون ثم راحت تقول لزوجها: أنت السبب في ضياع ابنتي، لطالما احتملت تلك المسكينة إيذائك لها من دون ذنب، لا سامحك الله يا عُدَي… لا سامحك الله..
الاختصاصية: ولكن الوزر لا يقتصر على الأستاذ عدي وحده يا سيدتي؛ فوقوفك من تصرفات زوجك المؤذية موقف المتفرج دون محاولتك التدخل بايجابية لضبط هذه التصرفات ساعد في تماديه وفي شعور الأبناء بالاستسلام مثلك للإيذاء.
مديرة المدرسة: من واجبي الوظيفي أن أحرر محضراً بالواقعة ، لكنني سأستجيب للجانب الإنساني وأكتفي بالحصول منك على تعهد كتابي بالتوقف عن هذا العنف المشين وتلك التصرفات غير المسئولة حتى أوفر لطالبتي صفاء جواً ملائماً لبدء برنامج علاجي لاعادة التأهيل النفسي والسلوكي، لها ولزميلتها سميرة أيضاً.
وإذا بلغني أثناء ذلك حدوث أي تجاوز سأكون مضطرة للاتصال بأحد الخطوط الوطنية الساخنة الخاصة بالعنف المنزلي لمتابعة ابنتك من حين لآخر في بيتها. أرجو أن يكون ذلك واضحاً لك سيد عدي.
عدي يوقع التعهد دون أن ينطق..
في المنزل يجلس عدي على كرسيه وحيداً في غرفته ويضع على ساقيه آلة العود التي كان يخفيها في دولابه يزيل غطاءه ويحاول العزف عليه فيفشل، يدخن السجائر ويفكر بعمق، يتذكر وجه صفاء وحالتها التي وجدها عليها في المدرسة، فيسرح بخياله للماضي حين كان طفلاً صغيراً..
(فلاش باك أبيض * اسود )
عدي الصغير مربوط على كرسي وأبوه يضربه بالعصا ، لقطة أخرى لأبيه وهو يدفعه بعنف أو يمسك بمنكبيه ويهزه بعنف ويركله…
يمسح عدي وجهه بيديه كأنما يريد محو هذه الذكريات الأليمة، يقف أمام المرآة ليرى نفسه وقد تحول إلى شكل أبيه فيكسرها ..


يطرق عدي باب غرفة صفاء بهدوء ثم يدخل، لما رأته حاولت أن تتحامل على نفسها لتقوم من مكانها لكنه وضع يده على كتفها برفق كي لا تفعل..
عدي: كيف حالك اليوم يا ابنتي..
صفاء: الح حمد لله..
عدي: أريد أن أحكي لكِ حكاية..
تتسع عيني صفاء حين تسمع والدها يقول ذلك..
عدي يكمل: حكاية طفل صغير كان يحب الموسيقى، لكن والده كان يضربه حد التعذيب حين يراه يعزف على أي آلة موسيقية وحين يبكي من الألم كان يمنعه من البكاء ويقول له أن الموسيقى والبكاء للفتيات فقط وأنه لن يكون رجلاً إلا إذا تحمل الأذى وترك ما يحب ونفذ الأوامر الكبار أصحاب الخبرة، وهكذا كبر الطفل وهو يظن أن القسوة هي الحل ، فراح يربي أبنائه بنفس الطريقة التي تربى عليها ولكن كانت له ابنة جميلة وذكية ورقيقة تحب الشعر لم تستطع أن تحتمل كل هذه القسوة ، وكادت تضيع من يده ، ولكنه لم يكن ليحتمل ضياعها لأنه يحبها وكان يظن أنه بقسوته يحافظ عليها ، فلم يخبرها في أي يوم بأنه يحبها حتى كادت تضيع منه، فشعر بخطئه وبأنه نادم أشد الندم ، أتفهمين كلامي يا ابنتي.
صفاء: نعم يا أبي أفهم..
يأخذها بين أحضانه ويبكيان كأن دموعهما قد طهرت قلبيهما ..
بعد ذلك تغيرت معاملة عدي لأبنائه ولزوجته، فصاروا يضحكون على المائدة ويشاهدون التلفاز معاً ، ويقدم عدي الهدايا لابنته (فساتين، دفاتر جميلة وأقلام لتكتب فيها القصائد) التي صار يسمعها وهي تقرأها عليه ، أصبحوا بحق عائلة سعيدة…
مشهد النهاية ..
على قفص العصفور السعيد الذي يتحرك بنشاط ويغرد في قفص مفتوح ..
تم بحمد الله وفضله….

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.