د.ابراهيم محمد ابراهيم يكتب أحلام صغيرة


د.ابراهيم محمد ابراهيم يكتب  أحلام صغيرة

كان أبى رحمة الله عليه من هواة مشاهدة الأفلام الأجنبية ولا يفوته فيلماً يعرض بسينما مترو بشارع سليمان باشا وهى التى كانت لا تعرض إلا أفلاماً أجنبية أو قل غالباً أمريكية فالسينما ذاتها تمثل شركة مترو جولدوين ماير الهوليودية الأمريكية ، كانت السينما فخيمة تعبر عن زمانها وكان الدخول إليها يستلزم فى بعض الأحيان حجزاً مسبقاً حسب الفيلم المعروض والإقبال عليه .
وما تخّلى أبى عن إصطحابى معه صغيراً أشاهد العرض جالساً إما على ركبتيه أو بجواره على نفس المقعد وما كنت أدرك وقتها معنى أن تشاهد فيلماً سينمائياً ولكن كل ماكان يعنينى أن هذه الزيارة السينمائية التى كانت تبدأ عند الدخول مبكراً والجلوس بواسطة رَجُل شيك يرتدى حلة سوداء وببيوناً وقميصاً وجوانتياً ابيضاً يقودك إلى مقعدك مع الترحيب فيدس أبى فى يده شيئاً يشكره عليه ويكمل عمله ولزوماً لمن يدخل متأخراً ، فى الظلام والفيلم يعمل، ففى يده كشاف نور .
وكذلك يمر بين المقاعد رجل يرتدى أيضاً لبساً مخصوصاً يحمل على يده لوحة خشبية كما الصينية يبيع الفشار والشيبسى الذى أعشقه ويعتبر هذا بداية متعتى الحقيقية من هذه السهرة يدق جرس وتطفأ ألأنوار
ويبدأ العرض واشاهد فيلماً قصيراً يُعْرض لإناس وأحداث لا أفهم لهم مدلولاً ولا معنى ، وفيما بعد عرفت أن هذه الجريدة الناطقة التى تتحدث عن أهم أخبار البلد الرسمية غالباً.
ينتهى عرض الجريدة وهنا نأتى إلى بيت القصيد وميلى وسبب حبى وتعلقى بسينما مترو فهى تعرض أفلام الكرتون الرائعة لوالت ديزنى مغامرات “توم وجيرى” ياله من خيال ياناس ويالها من سعادة مغامرات لا تنتهى ومقالب مضحكة ومواقف خيالية فكاهية ولم يختلف على حب هذه الافلام الكرتونية إثنين وكان يعجبنى أكثر مايعجبنى مايقوم به جيرى من رحلات داخل أقراص الجبن الرومى وكم يلتهم منها قبل ان يعكر عليه صفوه توم .
هنا ولد الحلم الصغير لطفل يجلس على ركبتّى أبيه أنا أود ان أكون فأراً كجيرى نعم فأنا أعشق الجبن الرومى وآكله بالمنزل مع الفينو ولكن أن تعيش داخل أنفاقه تستنشق رائحته تقضم منه كما تشاء فهذا هو غاية المراد .
كانت تنتهى سهرتى داخل دار العرض ويغلبنى النعاس بإنتهاء عرض الكرتون وبداية الفيلم الذى جاء أبى من أجله وغالباً ماكنت أجد نفسى فى سريرى ولا أعرف عن رحلة العودة شيئاً .
لازمنى الحلم بأن أكون جيرى وماوضعت رأسى على الوسادة ليلاً إلا وبدأ الحلم أعيش لحظاته وأنتظر وأتمنى تحقيقه وما قدمت لى أمى رحمة الله عليها ساندوتشاً من الجبن الرومى إلا وأحيا فى خيالى رغبتى أن أكون جيرى.
وطوال الوقت كنت أعتب على أمى كيف لها أن تشترى على سبيل المثال بطيخاً كبيراً ثقيلاً لا أستطيع حمله او تحريكه ولا تشترى أقراصا من الجبن الرومى ، وإن لم استطع التجوال داخلها كجيرى ، فعلى الأقل أدحرجها وأجلس عليها ، كان عتابى لها داخلى لم أصرح لها به يوماً من الايام.
كبرت قليلاً وأدركت أن الحلم الذى يملكنى غير قابل للتحقيق فليس ممكنا ان اعيش تجربة جيرى كما أراها على شاشة السينما إلا إذا صادقت المدعو جاليفر وذهبت معه الى بلاد العجائب.
نعم قد يلامس حلمك الصغير السماء وهذا من حقك ولكن الواقع يخبرنا أشياء أخرى عن إمكانية التحقيق أو الإستحالة وقد تغنم من الحلم سعادته وتكتفى منه بالقليل إن أمكنك كما انتهى حلمى مع جيرى وأقراص الجبن الرومى عند عم عثمان البقال بشارع الجعادية بالجمالية وأنا أطلب منه ربع رومى يلفه لى فى ورقة بيضاء.
كبرت أكثر وتعلمت أكثر وأدركت أن أحلامى تخصنى وحدى وغير ملزمة للآخرين فهم ايضاً يملكون أحلامهم الخاصة بهم وواقع يعيشونه مثلى قد يكون كواقعى او مختلفاً عنه لذلك لم أعد أعتب علي أحد فقد يكون بحال لا أدركه .
حين كبرت وكان ممكناً لى أن أشترى أقراص الجبن الرومى كاملة وبالجملة كمان من تجار بين الصورين وأخزنها بأحد الغرف كنت أصطدم بالواقع أن هناك فرق بين أحلامى الصغيرة وبين واقع الكبار وأنى غنمت من حلمى لذته حينها وبدأت أرسم وأخط طريقاً يعتمد على منهجية التفكير وإمكانية التنفيذ وبذل الجهد والعرق والمعاناة لتحقيق الطموحات واذا شئت سمها خيالاً وأحلاماً للكبار .

د.ابراهيم محمد ابراهيم

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.