إبراهيم جمال يكتب اختيار الموت 


إبراهيم جمال يكتب اختيار الموت

“كان علي الموت أن يختار وجهته جيدًا هذه المرة” قالها رجل مر مِن أمامي فجأة، دون انتباهي له مِن أين أتى.
لا يهم، الصباح هذا اليوم صاخبًا أكثر من المعتاد، وكأن الحياة تحتشد لأمر ما، صرخات المارة، وسائقي السيارات، وشرطي المرور، وباعة المناديل الورقية، والمتسولين، تزداد بلا توقف، هذه مأساة المدينة، لا نوم في صباحها الصاخب.
قال مذيع الراديو الذي يبث موجات البرنامج العام: أن اليوم يشهد تغيرًا جديدًا في الأحوال الجوية، درجة الحرارة ستصل إلى الثلاثين في الظل، وناشد المواطنين بالمكوث في البيت، إلا للضرورة، فمن أين أتى الشارع بضجيجه هذا؟
لا يهم، “الرأسمالية تحكم” كانت مقولة غاضبة من صديق ينتمي للتيار الاشتراكي بالأمس، بلغ صداها عندي، حينما هاتفني زميل لي بأن المدير يطلبني، ولما قلت له متعللًا بتنبيهات المختصين ونصائحهم بالمكوث في المنزل، أتاني صوت المدير الغاضب عبر أسلاك الهاتف، منبهًا عليّ أنني إن لم أحضر أمامه في غضون دقائق فسأصبح بلا عمل، أغلقت هاتفي وقلت في نفسي: لا يهم.
القاهرة غارقة في العفن، حدث هذا منذ قرن أو أقل، امتلأت أرجائها بالبنايات، والنفايات، والضوضاء، وغرق الجميع في متاهة الرأسمالية الطاحنة، بلا سبب، ولا هدف.
عمدت إلى كتاب كنت أقرأ فيه البارحة، يحكي عن تجربة علمية تحيل الحيوانات إلى بشر، وتكسبهم صفات البشر لوقت ما، وهذا النتاج يكتسب بشريته بعد ذلك من الانغماس في الاجتماعيات، وأنه لو ترك هذا النسل وحده، لعاد إلى ما كان عليه، حيوان علي هيئته الأولى.
أكملته بنشوة قلما وجدتها في عمل أدبي في الآونة الأخيرة، حتي غابت الشمس، وغاب الضجيج، أو بالأحرى غابت الحياة فجأة.
سكت الشارع للمرة الأولى منذ أتيت إلى القاهرة من تسعة عشر عامًا، ولم يشغل بالي السبب كثيرًا، لأنني قلت مبررًا: ربما استجاب الناس أخيرًا لتنبيهات الخبراء.
وقفت في الشرفة لاستمتع بالصمت والهدوء، فأنا نادر الصداقات، وحيدًا، خاصة منذ رحيل الآنسة (ش) لم تَمُتْ صديقي القارئ، هي فقط انسحبت من حربنا التي طالت في محاولاتنا للوصول معًا، وبالتأكيد هي لا تدعى الآنسة (ش) غير أنّي أحببت رسائل الشاعر رياض الصالح لآنسته (س) فأسميتها الآنسة (ش) احتفاءً بقصائده ورسائله.
لا تتكلف صديقي القارئ في البحث عن اسمها كثيرًا، ولا عن سر فراقنا الأخير، فالأمر حدث فجأة منذ سنوات أربع، وأظنها الآن تنعم مع زوج يليق بها، عكسي.
لا يهم، في السماء كانت العتمة شديدة عن المعتاد، لا أثر لنجم، ولا قمر، ولا ضوء آتٍ من بعيد، أو من بناية أخرى.
لجأت لهاتفي لأحادث أي أحد أجده متاحًا، فلم يأتني الرد من أحد. كل الهواتف لا تستجيب لنداءاتي.
لا يهم، قلت ذلك لنفسي، وحاولت النوم على السرير، تتصارع الذكريات مع الأمنيات، ولا ينهزم بينهما سوى قلبي، فأحاول التشبث بذاكرتي، علّني أجد فيها صورة لأمي، أو لأبي ولا أجد.
قال لي طبيب قديمًا أنني أصبت بحالة من فقدان الذاكرة لا ريب، ولكني لا أذكر حتى أنني أصبت بحادثة واحدة،
لا يهم، قلتها لنفسي محاولًا تخفيف وطأة هذه الحرب علي، وغرقت في النوم لساعات طويلة.
واستيقظت على هدوء أشد من الذي سبقه، حاولت فهم الأمر، غير أنني سرعان ما رأيت السماء مظلمة كاحلة كما كانت، فقلت لنفسي: إنه الليل لا ريب، وأنني لم أنم، فقط أسرتني الذكريات لدقائق، ودقائق الذكريات طويلة جدًا.
مثلًا إذا ذكرت الآنسة (ش)، أذكر في هذه اللحظة قبلتي الأولي على يديها، كان هذا بعد أشهر ثلاثة من لقائنا الأول، وكانت هذه القبلة بمثابة بداية جديدة لي، إذ بها انتهى عهد من التيه، وبدأت في محاولة التشبث بالأحلام الممكنة، عزيزي، لم تفت الآن سوى لحظة واحدة ذكرت بها الانسة (ش)، هكذا الذكريات تمر، ببطء شديد، ولا يمر الوقت معها.
أغمضت عيني عنوة، وذهبت في نوم أشد عمقًا، كانت فيه الآنسة (ش) تتلألأ بوجهها الضاحك، ترتدي فستانها الزهري الرائق الجمال، شديد العذوبة، وكان صديقي الأقرب حينها يلوح في سماء خيالي لينقذني.
بعد ساعات عدة استيقظت، وعلى غير المعتاد، أول ما فتحت عيني نظرت للنافذة لأرى السماء، وجدتها لم تبرح سوادها المعتم، وكالعادة لم أهتم.
أتاني الرجل ذاته في خيالي، قائلًا: “كان على الموت أن يختار وجهته جيدًا هذه المرة”. انتبهت لصوته الواضح، وهرعت إلى النافذه لأنظر اليه،
فلم أرَ طيف أحد، صرخت مناديًا، فخرج الصوت نباحًا تردد صداه كثيرًا في أذني، وفجأة وجدت جسدي ينحني عنوة، ويمتلئ بشعر غزير، وتحول جسدي وشكلي لذئب بري.
لا أعلم إن كانت هذه حقيقتي، أو مجازاً استعرته من كتبي، ما أعلمه حقًا أن الظلام لم يبرح من حينها، حتى بعد أن طفت البراري كلها بحثًا عن قطيع ذئاب يقبلني، ولم أجد. ولم يكن يصاحبني سوى صوت الغريب الذي يقول لي: “كان على الموت أن يختار وجهته جيدًا هذه المرة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.