الكاتب أيمن موسى يكتب المشرحة الجزء3


المشرحة {3}
ـــــــــــــــــــــ

يقولون أنّ لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة وموازية له في الاتجاه.
ولكنني ولأول مرة بحياتي أواجه هذا الموقف العصيب، لأجد نفسي عاجزاً بل ومسلوب الإرادة لأقوم بأي رد فعل قوي أو حتى ضعيف.
ولشدة عجزي وخوفي، وبغريزة فطرية وعفوية جلست القرفصاء، واتخذت وضعية الجنين ببطن أمه، وكأنني أود العودة بالزمن للوراء.
‏دفنت رأسي بين يدي وأغمضت جفوني، ظنًا مني أنني وبهذه الطريقة الأزلية والمعتادة، سأهرب من تلك الورطة والتي أواجهها لأول مرة بحياتي، وقد بدا لي أنّ غلق عيني هو طوق النجاة الوحيد والملاذ الآمن.
‏حتى وإن كانت نهايتي، فأنا لا أود رؤيتها بأم عيني.
‏أود أن ينتهي كل شيء سريعًا وبلا ألم.
‏فأنا مثل الكثيرين، قد يمكنني احتمال الألم، ولكنني لا أقوى على رؤيته أو مواجهته.
‏لست وحدي من يفعل ذلك، الكثيرون يهربون، ولكل منهم طريقته في الهروب من مخاوفه وهواجسه.
‏مرت الثواني ببطء مميت، كنت أسمع فيها دقات الساعة وكأنها أجراس كنيسة أثرية تقرع لصلاة يوم الأحد.
‏الأدهى من ذلك والأمر أنني أسمع دقات قلبي وهى تدق بعنف، حتى أنني بت أسمع نبضات عروقي أثناء سريان الدماء بشراييني.
‏أتراني أصبحت أمتلك الحاسة السادسة؟
‏لماذا صَفَتْ كل حواسي؟ وبالأخص حاسة السمع لدي، والتي أصبحت تنقل لي أصوات هذا الكون الشاسع بشفافية ووضوح تامين.
‏إلى متى سأظل هكذا؟
‏هناك ومن داخلي وبعمق إدراكي هاتف يناديني ويلح عليّ بإصرار غريب وعجيب، وكأنه يحفزني قائلًا: هيا، يجب عليك النهوض، يجب عليك أن تقف لتواجه كل مخاوفك وهـواجسك، والتي مما لا شك فيه هى نتاج خيالك وعقلك المتخم بقصص عتيقة وبالية تربينا عليها صغاراً.
‏فتحت عيناي وأنا بنفس وضعية الجنين، وليتني ما فعلت، لأنني فتحتهما وكأنني لم أفتحهما، فأنا لم أرَ أي شيء، وكأنني دخلت بفوهة الظلام الأبدي.
‏بحركة عفوية ولا إرادية ممدت يدي لجيوبي بحثًا عن هاتفي، لإشعال المصباح ليضيء لي المكان، بعد أن انقطع التيار الكهربائي بفعل الشتاء والرياح، وهذا ما رددته بيني وبين نفسي، لأجد سبباً مقنعًا، حتى لا تزداد مخاوفي وتتوغل بداخلي يؤججها رعبي وهلعي.
‏كنت أحتاج لسبب أو مبرر وحيد يعينني على مواجهة ما أجهله، وما إن عثرت على هاتفي، حتى قمت بتشغيله، وما كدت أفعل، حتى سمعت أسوأ نغمة يمكن سماعها بمثل هذا الموقف، وهى نغمة إغلاق الهاتف لنفاذ البطارية.
‏نهضت مستنداً على الجدار مطأطئ الرأس، مرتعد الأوصال، أكاد أغرق في عرقي، رغم برودة هذه الليلة الشتوية القارصة.
‏اقتربتُ من باب الغرفة، وأرهفت السمع وأنا أطرق على الباب، وما إن فعلت ذلك، حتى سمعت زمجرة قوية، تأتي من الجهة الأخرى للباب، جعلتني أتراجع للوراء، وأقف بمنتصف الغرفة تماماً.
‏مع مرور الوقت تعودت على الظلام، فتجولت ببصري مرة أخرى، لأرى ثلاجة الموتى الفولاذية ذات اللون الفضي بأدراجها المتعددة، وهنا طرأت لي فكرة مجنونة، وهى البحث عن أي بطارية أو شموع بداخل أدراج ثلاجة المشرحة، قد يكون وضعها (العم توفيق) لمواجهة أي ظروف طارئة، ولكن، هل أستطيع حقًا القيام بذلك فعلاً؟
‏في النهاية، وبعد مشاورات عدة بيني وبين نفسي، قررت بحسم أنني سأقوم بفتح بعض الأدراج وليحدث ما يحدث.
‏اقتربت بخوف ووجل أقدم قدمًا وأؤخر أخرى، لأتوجه أولًا من جهة اليسار، وبأيد مرتعشة فتحت أول درج، والذي كان ولحسن حظي خاليًا تماماً من أي شيء، ‏شجعني ذلك على فتح درج أخر والذي كان أيضاً كسابقه، تجرأت أكثر وأصبح الأمر رويداً رويداً اعتياديًا، ففتحت كل الأدراج العلوية والسفلية من ناحية اليسار، وكانت جميعها أيضًا خالية من أي شيء.
‏توجهت جهة اليمين، وبدأت من الأعلى نزولًا للأسفل، وأنهيت أيضًا جميع الأدراج ويداي ترتعشان، ومن قبلهما ترتعش روحي ويهتز قلبي، ومع كل محاولة لفتح أحد الأدراج كنت أعاني الأمرين متخيلًا ما سأواجهه بداخله.
‏بهذه اللحظات كانت أنفاسي مصدر رعب لي، كذلك نبضات قلبي، أي صوت يأتي من الخارج أو يحدث عفويًا هو مصدر رعب وخطر محتمل بالنسبة لي.
‏ما إن أنهيت جميع الأدراج جهة اليسار واليمين، حتى تراجعت للخلف لأنظر نحو الثلاجة، والتي تقف بثبات وشموخ، وكأنها جبل صامد منذ آلاف السنين.
‏لم يتبقَ أمامي سوى ثلاثة أدراج سفلية، وهنا توقفت لبرهة، ربما لأستجمع قواي المنهكة، ولأستعيد معها كلمات زميلي بالمناوبة السابقة، والذي أخبرني أنه لا يوجد بالمشرحة سوى ثلاث جثث.
‏أتراني لم أسمعه جيدًا؟ أو ربما هو قصد فقط أن يقول ذلك ليخيفني، وربما لا توجد أي جثث من الأساس؟
ولكن مهلاً، عندما تحدثت مع (العم توفيق) بالهاتف هو أيضًا أخبرني عن وجود ثلاث جثث، وقد أخبرني أنه سيتم دفنها ظهر الغد.
‏يا الله! كم أصبح الأمر الآن أكثر رعبًا، ومثيرًا للخوف، فالآن أصبحت أعلم مكان الجثث بالتحديد، ‏ما زلت أحدق بالأدراج الثلاثة وأنا أقف بمواجهتها مباشرة، وقد تعدى الأمر لدي البحث عن بطاريات أو شموع، وأصبح لدي فضول غريب لفتح الأدراج والنظر بداخلها، ‏ربما كان الأمر تحديًا من نوع خاص، تحديًا لمخاوفي وهـواجسي ومواجهتها.
‏‏أخذت نفسًا عميقًا، ثُم تنهدت بعد أن زفرت، لأخرج كل انفعالاتي دفعة واحدة، وأنا أمد يدي المرتعشة، لأقوم بفتح الدرج الأول من الأدراج الثلاثة، ما إن فعلت ذلك حتى تسمرت أقدامي بالأرض، وأنا أقف بذهول، ما هذا الذي أراه؟ وهل يعقل ذلك؟
‏أمعنت النظر لأتأكد أن هذا الدرج أيضًا كان خاليًا ولا يحتوي على أية جثث، ‏فتحت الدرج الثاني والثالث بسرعة وحسم، ولشدة ذهولي كانا كسابقهما خاليان من أي شيء، ‏فأين يا ترى ذهبت الثلاث جثث؟ ‏هل تبخرت؟ وهل يعقل أنها بالثلاجة ولم أراها؟ هل كذب زميلي علي؟ ولماذا؟ هل كذب (العم توفيق)؟ ولكن لمَ قد يفعل ذلك؟
‏أنا الآن أقف بمواجهة ثلاجة الموتى، ذات الجسم المعدني المصقول، والذي يشبه المرآة العاكسة، حتى أنه يمكنني رؤية طاولة التشريح القابعة خلف ظهري من خلاله.
‏ولكن وبهذا الظلام الحالك، لم أستطع تبين ملامحي، إنما رأيت ما جعل شعر رأسي يقف، والدماء تتجمد في عروقي، فلم يكن جسم الثلاجة الخارجي يعكس لي وبوضوح تام سوى ثلاث هالات بيضاء تقف خلف ظهري مباشرة، بالقرب من طاولة التشريح لتحدق بي بعمق وذهول.
‏‏تسمرت أقدامي بالأرض، لأتحول لجبل راسخ لا يستطيع الحراك أو مبارحة مكانه.
‏استجمعت ما تبقى لدي من أنفاس، وبقلب واجف وروح منهكة، وباستسلام كامل ويأس، استدرت لمواجهتهما، وما كدت أفعل ذلك، حتى رأيت أسوأ كوابيسي على الإطلاق، فعلى بعد أمتار قليلة مني، وخلف طاولة التشريح مباشرة، وفوق المقاعد الثلاثة، وبهذا الظلام الحالك، والليل الداكن، كانت تواجهني أسوأ مخاوفي وهـواجسي وبطريقة ثلاثية الأبعاد.
‏نعم، ما أراه بأم عيني ليس وهماً من نسج خيالي، بل أنا على يقين أنني أشاهد ثلاثة جثث بأكفانها البيضاء بددت هذا الظلام الدامس.
‏الآن أصبحت بلا حول ولا قوة، بانتظار ما ستسفر عنه اللحظات القليلة القادمة، إن ظل بالعمر لحظات.
يتبع

الكاتب أيمن موسى

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.