نهاد كراره تكتب (ورد) الجزء الرابع و الأخير


نهاد كراره تكتب (ورد) الجزء الرابع و الأخير

أنت أقوى منه يا صغيرة.. الشيطان يا ابنتي ضعيف أمام من يعلم ضعفه.. اليقين يا ابنتي… أنت أقوى منه حين توقنين بذلك.. حين تصدقين أنك الأقوى بالله، والأقدر على أذيته لن يؤذيك.
صدقت ورد سريعًا فنقاء سريرتها، وصفاء قلبها يستجيب للخير أسرع مما أتوقع.
تعلمت اليقين أولًا ثم ترتيل القرآن.. اليقين بأن الله يحميها دومًا، نجت مرة واختطفها مرات على حد قولها.. فأنا إلى الوقت الذي بدأت معها رحلة العلاج لا أعلم يقينًا هل هي تكذب أم تتحدث صدقًا أم أن إحدى حالات الهذيان والخيالات تنتابها؟؟
روت لي أنه حين يختطفها يبدأ سلسلة من العقوبات الروحية والجسدية، التي حيرت الجميع، بما فيهم أنا.. جسدها وعلاماته الزرقاء والخدوش، كانت أهم المعالم المحيرة.
راقبتها كثيرًا كي أعلم أكل تلك الخيالات التي ترويها حقيقة أم من فعل مرض نفسي ما؟؟
لم أتوصل لشيء محدد، لكنني مع ذلك تذكرت من وصفها رؤيتي أنا وأنا طفل صغير هنا في منزل والدها نفس الشيء الأسود بالأجنحة الأربع، أوشكت على الجنون، والهذيان.
أتعاطف معها جدًا.. ويقتلني أن أترك رقتها لكل تلك الملوثات.. تنتابها حالة اللانوم واللاصحو.. تتعلق بين الحياة والموت ألف مرة.. منحتها منومًا، لكنه لم يفلح.. أتتني تخبرني أنها تراه في أحلامها، وأنه يحدثها بكلماته:
 أنت لي يا ورد.. لن تعودي.. روحك ملكي.. جسدك لي.. أنت لي.
تبكي ورد، وأبكي أنا بروحي.
قررت أن ألازمها بالمنزل.
شهر ألازمها أنام على كرسي خارج غرفتها.. أي صوت مريب أستمع له أدخل إليها فورًا فأجدها تحلم وتتلوى.. أقرأ عليها القرآن فتستيقظ تبتسم، تستشعر الأمان والطمأنينة فتنام في هدوء.
الأمان… إنه مفتاح اللغز إذن..
ينقص ورد الأمان.. لا أعلم على وجه التحديد لم تفتقده؟؟ لكنه المفتاح.. منحتها ضالتها…
شخص ينصت لها بهدوء.. يمنحها الأذن التي لم تمنحها لها والدتها ولا والدها.. فهي تركيبة غريبة في تلك القرية الملوثة بالجهل.. فتاة جميلة مطلعة على تطورات البلد خارج قريتها.
علمت منها بعد ذلك أنها هي وخطيبها المرحوم كانا يخططان إلى هجر القرية بعد الزواج والاستقرار في القاهرة، فأعدها جيدًا بالكتب، وأنار عقلها كي يواكبا معيشتهما الجديدة في القاهرة، وحين توفي صُدِمَتْ… شعرت أنها هي التي ماتت..
أحلامها كلها انهارت.. لم تتفهم والدتها كم الحب الذي يحترق بداخلها، وكم الآمال التي انهارت فأصابتها شبه لوثة.
لا أعلم إلى الآن هل حقًا كان يتلبسها شيطان ما أم لا؟؟ لكن كل ما أدريه أنها بدأت بعد شهر طويل شاق تشعر بابتعاده رويدًا رويدًا مع اقترابي أنا أصبحت ملاذها الآمن الآن، إلى أن رأت رؤية، حيث انهار باب القبو، وراحت هي تبحث عن مدخله، فلا تجده، وطائرها الأسود قد اصطدم بجبل شاهق لا نهاية له يحول بينه وبينها.. حين يتعداه يصطدم بحائل زجاجي يحيل بينهما، ثم تنبت شجرة غريبة برتقالية اللون، تجلس تحتها بفستان ممتلئ بالفراشات، تقرأ في كتاب، وتستمع لأصوات الطبيعة الهامسة.
استيقظت حينها على شعاع الشمس الذي غاب كثيرًا.. يغرق حجرتها بالضياء، وعصفور صغير يزقزق على شجرتها الوحيدة أمام النافذة، فابتسمت لي حينها وعاودت النوم.
لم أفعل لها شيئًا أكثر من أنني دعمتها.. زرعت اليقين بقلبها المزعزع الإيمان.. منحتها مهدئًا بسيطًا، واستمعت لها، فحكت مكنونات القلب جميعها.
حادثة فقد الحبيب كانت أقوى من كل شيء.. تركتها بلا يقين.. بلا روح، مما جعل من السهل أن تنتابها الحالات النفسية والخيالات والرؤى كمريض الفصام حين تنتابه رؤى حادة فيعتقدها من حقائق يومه، ويرتب كل تفاصيله على تلك الخيالات.
لم أفعل أكثر من أن أنني قد عالجتها، وسواء ما كان يحدث حقيقة أم خيالات مريضة أو فصام، فورد الآن في أحسن حال، أما أنا، وما رأيت في طفولتي فلا شيء يفسره، وحلمها العجيب الذي تشابك بحلمي أنا عن الشجرة البرتقالية لا أجد له معنى إلا أن مصيرنا ربما اقترن ببعض.
ولا أخفيك القول إنني أخذت مكافأة رائعة في المقابل من العمدة، مكنتني من تحديث الفيلا خاصتي، وجلب فرش حديث لها وجهاز كمبيوتر، ذلك الذي جعلني أعجوبة القرية، وعظيمها الأوحد، حتى العمدة والد ورد، كان يبجلني كما لم يبجل أحدًا قط، فأمر بصرف راتب شهري لي تقديرًا لمجهوداتي، وذلك ما جعلني أشعر بالارتياح الشديد، فقد أصبح لي مورد رزق شهري حتى وإن لم أفعل أي شيء.
ثم إنه قد صنع لي أيضًا مقعدًا بجوار أكبر مقاهي القرية.. أجلس فيه كل يوم أتناول مشروباتي مجانًا، ويستأنس أهل القرية بي، ويستمدون من علمي الخارق كما يظنون.
قررت أن يصبح لي دور في حياة كل منهم.. قصصت عليهم القصص التي تقربهم من المدنية قليلًا.. وكلما قصصت قصة ما، شعرت أنني أجلس مع رجال من أهل الكهف، الغائبين عن الحياة قرنًا من الزمان.
حاولت أن أعلمهم القراءة والكتابة، لكني لم أبالغ في المحاولات، خشيت إن استنارت العقول أن أفقد مكانتي التي وصلت إليها في أشهر قليلة، فتركتهم يقطنون عند حد معين، ما بين الجهل واللاجهل، بحيث يكونون في احتياج دائم إليّ.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.