فريال البجاوي تكتب غُربةُ قلبِِ واحد


ما زالت تلك الطرقات الغامضة في عقلي تؤدي إليك، وكأنك “روما”، قُلْ لي يا تُرى ألا يزال حُلُمك أن تترك البلاد؟ آملُ أن تنجح في ذلك كما وعدتني، كما أخبرتني في الدقائق القليلة المتروكة قبل أن يُعانقني الليل كل يوم، أنا مثلا، تركتُ البلاد منذ أكثر من سنة بالكثير لا بالقليل، لم يتغير المُناخ قَطّ، غير إنّه أكثر كآبة من ذي قبل، ما زلت أرى الشوارع والمنازل نفسها، وذلك المكان المُشَجَّر، لكنّ كلَّ شيء يشبه الغريب، يُشبهك حين أصبحتَ، أتدري! هذه المدينة التي أسكنها، تشبه تلك التي كنا نتبادل الأسرار، وخيباتِ الأمل فيها، ولكنها خالية ومليئة بعض الشيء لي، ولكنّي قويّة كما أردتُ أن أكون، بل أقوى بكثير الآن بفضلك، أصبحتُ أُدرك أنّ لكل مشكلة في حياتي نهاية، إمّا أن تكون النهاية نَفَقًا للحل وإما أن تكون نفقًا أسوأ، لم أعد مُنبهرة، علاوة على ذلك، أصبح كل شيء يتكرر مثل تلك الأغاني التي أرسلتها لي، ها قد حدثت أشياءٌ آلمتني منذ أن تركتَ البلاد، ماتتْ قِطتي تلك التي أحب، وكانت الليالي أطول دون صوت مُوائها عند رؤيتي، ولكن ظَّل شَبحُها في الغرفة حتي الآن، حتى أنها تجلس بجانبي الآن في حين أكتب لك، لستُ أَتخلّى حتى وإن تَخلّوا عنّي، أُحبُّها!
و ماذا يعني للإنسان أن يكون عاقلاََ في الحب؟ بعد بِضْعةِ أسابيع، بعد أن مات شيءٌ عزيزٌ على قلبي، قد وَافت المنيّة أكثر إنسانة قرابةً منيّ، تُشبه أمي. أصبحت الحياة شبه فارغة بعد أن تركتنا، ولكنّي أَشمّ رائحتها، ولا أنساها بالحديث طُوال النهار، حتى أتمكن من الحلم بها في نومي، لعلها تعانقني للمرة الأخيرة، وكأن اللقاء قريبٌ. تعلمت معنى قيمة الحياة، ولم تزل تلك الأفكار الانتحارية من عقلي، لكن كانت تأتيني نوبات لستُ أدري نوعها، سَمّاها طبيبي بنوبات الفزع أو الخوف.
الخوفُ من الموت عند القبول بالحياة، كانت الليالي شَّاقة، كنتُ وكأنّي تحت تهديد السلاح، أُقْتلُ كل يومٍ حرفيًّا، كانت النوبات متكررة؛ فلازمت الطبيب، حدّثته عن ضيقِ أنفاسي في الليل فقط، دَوران رأسي المستمر، اشمئزازي من الأكل، ووضعيّ لإصبعي في حلقي؛ لاستفرغ حتى ولو كأسَ ماءٍ قد شربت، دَقاتُ قلبي المتسارعة التي توقظني من النوم، عدم السماح لأي شخص بلمسي، والانقطاع عن الكلام لساعات وغيرها، لكن زُفَّ إليّ شيءٌ آخر أيضًا، إنه شيء غير مهم، كان يقول بأنّي قد لا أصبح أُمّا تعانقها أصابع صغيرة! أتَرى؟! أصبحتُ قويّة للحد الذي جعل كل شيء عاديًا! أصبحتُ أُعالِجُ نفسي بالعقاقير الطبية، كان نومي منعدما؛ فوُصِف لي دواءا للنوم، ودواء آخر ليرخي أعصابي، ويُسكِتُ ذلك الشعور، تلك الأصوات، المشاهد، الخيبات، الفقد، كان صوتُ الشعور بالوحدة، لا زلتُ أتعافى من كثيرٍ وكثير، انقطعتُ عن الكتابة؛ فلا شيء يستحق التوثيق، قد وثّقتُ مايكفي؛ كان لي سبب لأتوقف عن الرسم، وسبب آخر لأتوقف عن حِياكة النصوص، حِبرُ القلم كان تُرجمان لساني، ولكنه انعقد منذ أن غادرتَ البلاد، أصبحتُ أخاف الحبر والورق الأبيض، في الحقيقة، تبعدُ عنّي بضع “كيلومترات” فقط مشيًا، لكننا لسنا بالبلد نفسه.
الكلُ يختبىء هنا من شيء ما 💙

فريال البجاوي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.