سمير لوبه يكتب قراءة انطباعية في رواية رحلة ابن فطومة


كتب سمير لوبه :
قراءة انطباعية في روايةَ ” رحلة ابن فطومة “
جَاءت تِلك الرُّوايةُ فِي 120 صفحةً تُلَخِصُ رِحلةَ الإنسانِ فِي الدنيا للوصولِ إلىَ الكمالِ أو النعيمِ ، شبَّه فِيها ” نجيب محفوظ ” حياةَ الإنسانِ برحلتِه مِن دارٍ إلىَ دارٍ- دارِ الشروقِ – دارِ الحيرةِ – دارِ الحلبةِ – دارِ الأمانِ – دارِ الغروبِ ، وفِي كلِ دارٍ يرىَ جَديداً ولكنَّ الثابتَ هو تغيرُ فكرِه مِنْ دارٍ إلىَ دارٍ ، تتبوَأ الفلسفةُ فِي الروايةِ حَيزَاً كَبيراً حَيثُ يُقدمُ لنَا ” محفوظ ” نفحةً مِنْ نَفحَاتِه الفلسفيةِ.. وأولُ صفحةٍ فِيهَا إنْ قَرَأتَهَا بَعدَ نِهايةِ الروايةِ ستفهمُ المعنىَ مِنْ ورَاءها..


فهي تَحكي عَنْ رَحَّالةٍ عَربي هَاجر مِن بِلادِه بَعدَ فَشلِه فِي الزواجِ مِن مَحبوبتِه إلىَ دارِ الجبلِ بحثاً عَنْ الكمالِ والعدالةِ المفقودين في بلادِه ، يُشجعُه عَلَى ذلك أستاذُه الذي فشلَ فِي إكمالِ الرحلةِ بسببِ الحربِ التي كانت تدورُ بينَ البلادِ المتجاورةِ .
و يمرُّ فِي رحلتِه عَلىَ عِدةِ بلادٍ ويتعطلُ فِي رحلتِه أكثرَ مِنْ مرةٍ بسببِ زواجِه وسجنِه ، يمرُّ فِي رحلتِه عَلىَ بلادِ المشرقِ حيثُ يلتقي بعروسةٍ ويتزوجُها وينجبُ منها خمسةَ أطفالٍ ، ولكنَّه يفرقُ بينَه وبينَهم بسببِ محاولتِه تعليمِ أطفالِه عقيدتِه.
ثُمَّ بَعدَ ذلك يرحلُ إلىَ البلدِ التاليةِ وهي ” بلادُ الحيرةِ ” يرىَ فيها أنَّ الملكَ يُعتبرُ تمثيلٌ للهِ وتدورُ حربٌ بينَ الحيرةِ والمشرقِ وتنتصرُ جيوشُ الحيرةِ وتصبحُ عروسُه إحدىَ السبايَا ويشتريهَا ، ولكنَّ الحكيمَ الأكبرَ للملكِ يريدُها لنفسِه فيتسببُ فِي دخولِ ” ابن فطومة ” إلىَ السجنِ لمدةِ عشرين عامًا ، يحدثُ انقلابٌ علىَ الملكِ الحالي ويأتي ملكٌ جديدٌ ويحررُ ” ابن فطومة ” فيتركُ دارَ الحيرةِ راحلاً إلى” بلادِ الحلبةِ ” حيثُ يجدُ أنَّ الشعوبَ شديدةَ الحريةِ الدينيةِ وأنَّ كلَ الدياناتِ تتعايشُ فِي البلدِ بمَا فِيها الإلحادُ ، يتزوجُ للمرةِ الثانيةِ مِن ” سامية ” وتعملُ ممرضةً وينجبُ مِنهَا ثُمَّ يرحلُ إلىَ ” دارِ الأمانِ ” بحثاً عَنْ استكمالِ رحلتِه ويرىَ فِي ” دارِ الامانِ ” أنَّ كلَ فردٍ يتجسسُ علىَ صاحبِه ، وأنَّ كلَ فردٍ لَا يحقُّ له إبداءُ رأيه فِي غيرِ مجالِ عملِه ، ثُمَّ يتركُهَا رَاحلاً إلىَ “بلادِ الغروبِ ” التي تُعتبرُ المحطةُ النهائيةُ قبلَ وصولِه إلىَ ” دارِ الجبلِ ” ومِنهَا يرحلُ إلىَ ” دارِ الجبلِ ” بسببِ الحربِ الدائرةِ ، وبعدَ سفرِ شهرٍ متواصلٍ يصلُ بواباتِ ” دارِ الجبلِ ” وعندَها يصلُ إلىَ نهايةِ الروايةِ ويتركُ القارئ لاستنتاجِ النهايةِ .
إنَّ عنوانَ الروايةِ مثيرٌ وجذَّابٌ و ” قنديل محمد العنابي ” أو” ابن فطومة ” هو الباحثُ عَنْ الكمالِ ويحملُ كمَا لاسمِه نورِه فِي داخلِه تلك الروحُ القلقةُ المتسائلةُ غيرُ الراضيةِ عَنْ الظلمِ والتواقةُ إلىَ الرحمةِ والحبِ ويمرُّ علىَ مدارِ خمسينِ عاماً بالبلدانِ المختلفةِ البدائيةِ مِنهَا والغارقةِ في الحضارةِ والروحانيةِ الخالصةِ كذلك ، ومن خلالِ رحلاتِه والتجاربِ المختلفةِ التي مرَّ بهَا يمكنُنا استخلاصُ شيئاً واحداً ( لا مفرَ مِنَ الظلمِ والانتهاكِ وكأنَّ الإنسانَ خُلقَ ليشقىَ بالفعلِ )
وعلىَ ما يبدو لي فإنَّ ” رحلة ابن فطومة ” تُحاكِي رحلةَ ” نجيب محفوظ ” الفكريةَ والروحيةَ فِي هذا العالمِ ، وتعبِرُ عمَّا اعترَاه علىَ مدارِ سنواتِ عمرِه مِنْ تَخبطِ بينَ الفلسفاتِ والرؤى السياسيةِ وطريقةِ الوصولِ لغايةِ الإنسانِ وهي السعادةُ ، وابنُ فطومةِ يتساءلُ : أينَ المدينةُ الفاضلةُ الكاملةُ ؟ ويتحرقُ للوصولِ لدارِ الجبلِ غايةِ المرادِ والمكتملةِ فيها السعادةِ الفرديةِ والتي ربَّما تَعني الوصولَ للموتِ أو الوصولِ لأقصى درجاتِ التصوفِ والسعادةِ الروحيةِ ، ولكي تصلَ إلىَ السعادةِ الكاملةِ فعليك أنْ تعملَ دونَ انتظارِ ثوابٍ وأنْ تُطهِرَ روحَك مِن الشوائبِ وذلك لا يتمُّ سوى فِي دارٍ أخرى تُسمى ” دارِ الغروبِ ” حتىَ يستطيعَ المتصوفُ القاصدُ ” دارِ الجبلِ ” الطيرانَ فعلياً لا مجازياً ، ويتركُ ” نجيب محفوظ ” النهايةَ بلا جوابٍ فقد انتهت مخطوطةُ ابنِ فطومةِ عندَ وصولِ الرحلةِ لدارِ الجبلِ ، فهلْ بلغَ الكمالَ حقاً ، أم أنَّه حُلماً بعيدَ المنالِ ؟ هكذا يتناولُ أصعبَ وأعمقَ القضايا بسلاسةٍ وحكمةٍ وبرمزيةٍ مُبدعةٍ يقارنُ بينَ حالِ كثيرٍ مِن المجتمعاتِ وبينَ مجتمعِنا الإسلامي بينَ مجتمعاتٍ تبحثُ وتجتهدُ لتصلَ إلىَ منهجٍ مُحددٍ يوفرُ لهَا الاستقرارَ والنجاحَ بينَما نحنُ المسلمون ونحنُ بأيدينا منهجُ حياةٍ لكنَّنا نسيرُ فِي الأرضِ هائمين لا تفكيرَ ، لا اجتهادَ ، ولا حتى مجردِ تطبيقٍ كما يجبُ ، فكان يبحثُ عن كنزِ في هذه الرحلةِ يبحثُ عن الدواءِ الذي يستطيعُ استخلاصِه منها ليقدمَه لمجتمعِه ربَّما يشفى لكن كعادةِ كلِ الأشياءِ القيمةِ في حوزتِنا ولا نكترثُ لها ، إنَّ اللمحةَ الفلسفيةَ فِي حديثِه عنْ الدينِ والدنيا ليست خفيةً فِي كتاباتِه ، لكن لكلامِه الكثيرَ منَ المعاني ، يستطيعُ كلُ قارئ بأنْ يؤولَ الروايةَ منْ وجهةِ نظرِه الخاصةِ ، ويستخلصُ المعنى الذي يريدُه مِنها ، لكن من العسيرِ أنْ تفهمَ ما كان يدورُ بخُلدِ ” محفوظ ” بالضبطِ عندَما يُمسِكُ قلمَه ، وتلك سمةٌ من سماتِ تُميزُ ” نجيب محفوظ ” ، إنَّ ما يريدُ أنْ يوضحَه ” محفوظ ” أن ” قنديل ” ترك بلادَه التي ملَّ مِنها وظلَّ يرتحلُ فِي مختلفِ مراحلِه العمريةِ وراءَ المعرفةِ الكامنةِ فِي ” دار الجبل ” وفِي ظلِ بحثِه شغله متاعُ الدنيا عَن هدفِه الذي ترك بلادَه لكي يسعى وراءه ، ولم نعرفْ هلْ وجده أمْ لا ؛ لأنَّه لمْ يعد بإمكانِنا أنْ نعرفَ أكثرَ منْ هذا .
تحكي الروايةُ أنَّ التاجرَ ” محمد العنابي ” الفاحشَ الثراءِ أنجب سبعةً منَ التجَّارِ وقدْ جاوز الثمانين بصحةٍ وعافيةٍ ، وعندها رأى الجميلةَ ” فطومة الأزهري ” فتزوجها وأنجب منها فتى يُدعىَ ” قنديل ” ولكنَّ أخوتَه أطلقوا عليه ” ابن فطومة ” ثم تُوفِي أبوه وهو لم يكدْ يحفظُ شكلَه ،

ربته أمُه واعتنت به على أكملِ وجهٍ فقدْ ترك لهم أبوه ثروةً تضمنُ له ولأمِه رغدَ العيشِ حتى المماتِ ، كانت حياتُه تدورُ حولَ أمِه وشيخِه الذي كان يعلّمُه، كان الشيخُ قدوتَه وناصحَه الأمينَ وكان دائمًا ما يُحدّثُه عنْ رحلاتِه المتعددةِ والتي كان هدفُها الوصولَ إلىَ ” دار الجبل ” تلك الدارِ التي يطلقُ عليها ” دار الكمال ” ولم يصلْ إليها أحدٌ من الرحَّالةِ منْ قبلِ ومَنْ وصل لمْ يرجعْ مِنها أبدًا، وقدْ اضطرَّ الشيخُ لإلغاءِ رحلتِه بسببِ حدوثِ حربٍ أهليةٍ منعته .
كان حلمُ ” قنديل ” أنْ يقومَ برحلةٍ مثلَ شيخِه ، ولكنَّه لنْ يستسلمْ حتى يصلَ إلىَ ” دار الجبل ” وعندما شبَّ ” قنديل ” فتنته فتاةٌ تُدعَى ” حليمة ” فِي قريتِه وعزمَ علىَ الزواجِ مِنها وذهبَ لخطبتِها مع والدتِه وقبلَ أنْ يتمَّ الزواجُ طلبهَا حاجبُ الوالي مِن أبيها فلمْ يستطعْ أبوها الرفضَ بسببِ ضعفِ قوتِه وقلةِ حيلتِه أمامَ الوالي وحاجبِه ، فذاق ” قنديل ” مرارةَ الخسارةِ وانفطرَ قلبُه علىَ محبوبتِه ، بعدما خاب أملُه فِي الزواجِ ، قررَ أنْ يلحقَ بحلمِه ويقومُ بالرحلةِ التي لم يكملْها شيخُه ، فجهز حالَه وانطلق مع قافلةٍ من التجَّارِ إلىَ أولِ بلدٍ فِي خريطتِه وهي ” دار المشرق ” عازمًا علىَ أنْ يكتبَ كلَ مَا يراه فِي كتابٍ ينشرُه بعدَ إتمامِ رحلتِه .
“عمَّ تبحثُ أيها الرحالةُ ؟ أيُ العواطفِ يجيشُ بها صدرُك ؟ كيف تسوسُ غرائزَك وشطحاتَك ؟ لمْ تقهقهُ ضاحكًا كالفرسانِ ؟ ولمْ تذرفُ الدمعَ كالأطفالِ ؟ ” إنَّ ” نجيب محفوظ ” في روايتِه ” رحلة ابن فطومة ” يقدمُ رسالةً فلسفيةً خفيةً من وراء تلك الروايةِ . من منكم حاول قراءتها ؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.