إبراهيم جمال يكتب عقلك ساحة حربك


بالأمس زارني فاوست في المنام.
قال لي معرفًا نفسه: أنا د. جون فاوست… وهبت روحي للشيطان صغيرًا، وفي ليلتي الأخيرة ندمت علي فعلتي، غير أنني ارتضيت أن استمر في قراري، واوجه كرجل شجاع، مهما كانت عاقبته… ولكني وجدتك تائهًا مثلي، فوجبت لك عندي نصيحة أخيرة.
يا فتى لا يستغنى الله حتى عن هؤلاء اللذين يستغنون عنه.
يا فتى لا يرفض الله دعاء الطامعين، حتى ولو رغبوا عنه.
يا فتى لا تصنع مثل صنيعي، فأنا الآن وبعدما واجهت مصيري بإرادتي أيقنت خطأي.
لم انتفض من نومي كما هي العادة.
بكيت ربما، وربما انتحبت اثناء ابتهالي بالدعاء.
ولكني لم أبرح منامي جوار امرأة عرفت فيما بعد ان اسمها مارتا…
لم تعرف مارتا عن حلمي شيئًا لذا فقد قامت بتقبيلي فور شعورها بصحوي.
كانت عارية تمامًا ربما، وربما كنا نسرف في المجون قبل ساعات قليلة، لم تسعفني الذاكرة أبدًا في تحديد ما كنا نصنعه قبل النوم، ولا كيف أتيت الي سريرها الوثير، ولا كيف رحلت عن القدس الي برلين.
فقد قالت لي مارتا ان ارتدي ثيابي لمقابلة صديقة لها في برلين، فقلت لها متعجبًا، أنحن في برلين حقًا؟! ام هو محض خيال يترائي لي.
شعرت بصدمتها من حديثي قبل ان تقول لي متعجبة… فاوست أونسيت مجددًا أنك تركت إيطاليا مودعًا إيميليا لأجلي؟!
لم تكن عندي مساحة زمنية للاندهاش، فابتسمت.
علي عجلٍ ارتديت ملابسي هربًا من نظرات مارتا…
في الطريق كان عقلي شاردًا، احاول استيعاب من أنا، ومن هو فاوست الذي زار حلمي، وأصبحت أنادى به.
لحظت مارتا أنني منشغل عنها كثيرًا فقالت بدلال أنثوي أترغب في العودة إلي المنزل وتأجيل زيارتنا.
علي الفور قلت لها نعم، ولم انتظر لأشاهد ردها فأطلقت قدماي في اتجاه العودة.
ولما وصلنا البيت خلدت إلي النوم، هربًا من نقاشها الحاد، فمارتا أنثى ولاريب أنها كغيرها من النساء تثرثر بالحديث اللائم طوال الوقت.
في النوم زارني لوركا.
قال لي يا فتى: ابتهل في الغار وحدك، وسيتبعك تراب إسبانيا كله محتشدًا خلف ثورتك…
يا فتى لا تلق قصيدتك لنار الصمت، اكتب ما حييت، انتفض، اصرخ في الحاكم والسلطة، ولا تخش شيئًا.
عد إلى لوكريثيا، وامتطي حصان خيالها، وابكي، وستزهر غرناطة لكما من جديد.
تململت من نومي، صحيت في غار لا اعرف مكانه، علي الأرض بقايا تبغ متناثر، وأوراق مبعثرة كلها بتوقيع لوركا.
بكيت لأنني لا استطيع تذكر ما الذي أتى بي إلى هنا، أين مارتا وسريرها الوثير… كيف تغيرت برلين فجأة، وتبدلت لهذه المغارة الصخرية.
لم استطع إخفاء دهشتي ولم ينجح الدمع في إخماد حيرتي هذه حتى غالبني النوم.
أتاني الشيطان في نومي.
قال لي: يا فتى رأسك مسرح الأحداث.
فيه تبتهل الملائكة، وترقص الشياطين، ويصرخ الشاعر، وتبكي السيدات، وينتشي الجنّي، ويثمل الغني، ويزهد الفقير.
يا فتى في رأسك تجتمع الحياة، فتعيش كلها، أو تموت.
كان الشيطان ناصحًا هذه المرة، فقلت له مستفسرًا عن نصيحته وسببها.
قال لي:يا فتى لم تعي الدرس الي الآن… رأسك شيطانك الوحيد، وملاكك الحارس، ووحدك تستطيع أن تسكب ماء اليقين في نار الشيطان وشكه.
يا فتى وحدك من يملك القرار.

عقلك ساحةحربك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.