إبراهيم جمال يكتب توثيق الأحلام


سألتني صديقة ذات يوم عن اختياري توثيق الأحلام التي تراودني، وعن جدوى الأمر في معالجة ما يعتريني جراء هذه الأحلام.
فقلت لها ربما لما أموت يجدها أحد فيدرك الأمور على حقيقتها ويضعها في طريقها الصحيح.
والحقيقة أنني لم استطع اخبارها عن أنني اكتبها لا لشيء إلا الكتابة نفسها.
البوح بأسراري، الاعتراف بضعفي، ومواجهة شبح الانتحار، والغياب.
الكتابة كانت منقذي يوم رحلت جدتي، ويوم غابت شمس جدي.
الكتابة كانت فعل وحيد اخوضه بإرادتي، وبحب.
استطعت علي مدار أعوام ثلاثة أن أوثق أحلامي كلها، إلا رحيلها عني.
كلما صغت هذا الرحيل شعرت بموتٍ ونهاية حتمية للأمر.
الآن لا أتخيل حياتي بعد نهاية هذه الأحلام، ماذا سأكتب!! بماذا سيعترف شيطان الشعر الذي يسكنني، بعد رحيل أحلامه المكررة.!!
قلت لطبيب خضعت لجلسة علاج أخيرة معه منذ أسبوع: اظنني لا أريد الشفاء الآن.
فأنا لا استطيع مواجهة الحياة الآن، لا اعرف كيف أخوض الليل دون أحد يشارك عقلي هذيانه المعتاد، لا أدري كيف أمرر ساعاتي دون كتابة ما حدث وما يحدث.
فقال لي، أنت مفرط في نظرتك تجاه الأمور.
نظرت له بهدوء وصمت، وأخذت أقراصي المهدئة ورحلت بعزم ألا أعود.
في الطريق، راودني خيال عن صياغة نهاية أخرى.
كانت آثار المعركة وبقايا المعدات الحربية في كل ناحية من الميدان. والواقفون قليل، والموتى والراحلون كثر.
ناديت في أبي الراحل أن يعود، فرفض ونهرني بعينيه، واتهمني بالخيانة. ناديت أمي، فأخرجت من يديها رصاصة تخترق عيني… وبكت بكاءً لم أعهده منها، حتى أغرقت وادي النيل كله.
وقال لي رضيع كان يمسك قدميها:” هل ستصوغ انتصارك الآن!!؟ أم هزيمة أخرى!؟
تذكرت قديمًا أنني قلت أن الحروب لا ينتصر بها أحد انتصارًا كاملًا، فالهزائم لابد وأن تلحق بطرفي الصراع.
لملمت أشلائي، وبكيت، حتى صرخت صفارة إنذار في وجهي لأهبط من محطة المترو الأخيرة.
كانت الساعة جاوزت منتصف الليل، والبرد يجعل شتاء القاهرة طويلًا وصامتًا، وأنا وحدي أسير بعرق غزير يتساقط كأمطار الشتاء، وبكاء السحب.
نظرت لامرأة عجوز كانت تجلس على الرصيف محتمية بكيس بلاستيكي يقيها المطر ولا يقيها الموت… فقالت لي: هل ستجسد الآن هزيمة أم ستوثق انتصارًا؟!
لم استطع إيجاد إجابة عن سؤالها فأغمضت عيني، وخطوت في طين الأرض فناداني صديق كان يزرع حقله… فأتيته على الفور، كانت اقدامه ممتلئة بأوحال ودماء، وحوله حقل ممتليء بزرع أخضر… فسألته عن دمائه فأجاب قائلًا: هي طعام الأرض، فالأرض القاحلة يا عزيزي هي أرض لم تأكل دماء أصحابها بعد.
تحسست ساق نبات كان غريب الشكل مصفرًا، ليس كأخوته من الزروع، فقال لي صديقي هذا شيطان يجب قتله ووأده، وإلا فتك بما بقي من نبات حوله، وهوى بفأسه على جذعه فقسمه نصفين… فطارت رأسي بعيدًا، ولم أنتبه إلي وسادة مبللة وضعت رأسي عليها.
شعرت ببرودتها فيما بعد، ونظرت أمامي، فوجدت الطبيب كما عهدته، يبوح بأمور لا أعيها، ولا أدركها، لأنني أجهل أنه تحدث بها أمامي… ولما رأى نظري موجهًا إلي… قال لي: اطمئن فلا شفاء يرتجى في حالة مثل حالتك هذه… أتمنى ألا تزورني مرة أخرى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.