عبدالرحمن بن زهران يكتب الفجر الأول


الفجر الأول
هذا هو أول يوم تعافيت فيه من التربية الميدانية
لابد من تذكر مثل تلك الأيام بكل خير، تلك التي كانت توقظني من أحلى لحظات نومي وأنا ألعن العلم والتعليم والتعلم وكل مصطلح يضم ثلاثية الحروف هذه من أجل الذهاب إلى تعليم تلاميذ يكرهون التعليم تماماً كما كنت أكرهه في مثل سنهم، ولكنها رسالة ومهمة حُكم علي أن أثبت قدرتي عليها لاجتياز مرحلة جامعية لا قيمة لها -حسب اعتقادي الشخصي سابقاً- والحصول على مؤهل عالٍ.
يأخذني الحنين وأنا أخط تلك السطور إلى معلم اللغة العربية الذي شرفت بالتلمذة على يديه في المرحلة الثانوية وهو يحكي لنا قصة كفاحه أثناء الشرح قائلاً: أغلبكم يا أحباب طموحاتكم عالية وأحلامكم شامخة، تسارعون الزمن وتنتهكون حقوق أجسامكم وعقولكم بالسهر ليلاً وقطع المسافات الطويلة نهاراً من أجل جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول المناهج الدراسية المقررة عليكم في هذه المرحلة استعداداً لمواجهة زلازل الاختبارات النهائية والنجاة منها بأعلى العلامات لدخول ما يسمى لدى البعض (كليات القمة)، كنت في مثل سنكم أقطن في الريف المصري في قرية ما، وكان بيتي من طين وأرض شارعنا أعلى من عتبة بابنا، وفي يوم من أيام الشتاء استيقظنا ليلاً لنجد شبراً من المياه في أرضية بيتنا، لا نعلم متى ولا كيف حدث ذلك، خرجنا إلى الشارع فلم نجد فيه من البشر أحداً، طرقنا بيت أحد الجيران ثم الآخر ورحنا نتنازع على طرق سحب المياه من أرضية البيت، وساهم كل ذي فكرة بتنفيذها حتى تحسنت الأحوال نوعا ما، وأثناء دخولي إلى غرفة أبي تزحلقت فإذا بي مرمياً على ظهري ورجلي منثنية تحتي، أسفرت تلك الوقعة عن كسر بساقي الأيسر تظهر آثاره حتى هذا الوقت الذي أحدثكم فيه، توالت الأحداث الحزينة المتعددة في تلك الفترة وهُدِمَ البيت وأشياء أخرى لا تطاق، كنت طالباً في الثانوية العامة في هذه الأيام ولم أُوَفَق في دخول كلية الطب البشري التي كانت حلم لي منذ الصغر، وها أنا أمامكم أنعم الله علي بدخول كلية التربية والعمل في مهنة التدريس بالمدارس، ومن وراء هذه المهنة كما ترون أمتلك المباني العالية والقصور الشامخة والطائرات الخاصة والذهب والفضة والمجوهرات، وبحال أفضل بكثير من أحوال الأطباء وقد نلت رسالة الدكتوراه ويقال لي (يا دكتور) كما تقال للأطباء.
وعدَّد لنا من أملاكه ما جعلنا نفتح الفم مع العين أثناء استماعنا له، ولا نعلم كيف اختتم قصته ولا بقية الحصة ولم نهتم بما قيل في هذه الحصة من محتوى علمي بعدما سمعنا قصته التي قد تبدو للبعض غير واقعية، خرجت -وأعتقد أن جميع الحضور في هذا اليوم كذلك- ولم أفكر بأي شيء سوى معرفة الطريق إلى كلية التربية ودراسة اللغة العربية لأصبح غنياً مثلَ هذا الرجل، وبعد مرور أسبوع على ذلك اليوم، أفقدني هذا الإصرار ساحرٌ آخر وعلَّق قلبي بالتمريض بطريقة أكثر سحرا من طريقة معلم اللغة العربية.
نحن طلابَ الثانوية العامة في ذلك الوقت كنا نتبع الغاوين، إذا قال أحدهم الطب جميل تعلقنا به وعلقنا آمالنا عليه، ولربما حول بعضنا من الشعب الأدبية إلى الشعب العلمية وهكذا هو الحال إن قال غيره إن الهندسة جميلة أو إن التربية جميلة.
مر على ذلك أكثر من أربعة أعوام، والآن أجد نفسي على أعتاب التخرج في كلية التربية ولم تطرق ذهني منذ زمن قصة أستاذي إلا الآن، ولم أدخل هذه الكلية حباً فيها ولكن كانت هي أفضل الاختيارات المتاحة أمامي حين كتبت رغباتي عقب المرحلة الثانوية مباشرة، ها أنا أنتظر الحصول على شهادتي وفرصة عمل تجعلني أمتلك تلك الأشياء من قبيل ما يملكه هذا الرجل الغني وأعمل على ترغيب الطلاب في الدخول إلى كليات التربية، هذا وإن لم أصبح مثلَه أو أكثر فسأعمل على إبعادهم عن طريق هذه الكلية وترغيبهم في الطب البشري أو الحقوق أو التكنولوجيا المعاصرة، وما الجزاء إلا من جنس العمل.
انتهى
كتبه: عبدالرحمن بن زهران

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.