هشام أعبوث يكتب الشخص المناسب


إنه الطبيب العاشر ربما الذي أخبره بأنني أرى لونين فقط.. الأسود و الأبيض.. لكنه يصر أو أصَرّ الأطباء بأن عيوني جيدة.. مللت من ذلك.. لم أعد أزور الأطباء لأن كلهم اتفقوا بأن عيوني عادية ليس بها أي خلل.. هل أنا أتخيل ام ماذا؟.. لما قد أرى البحر أسوداً و السماء بيضاء؟.. لما كل شيئ بالأبيض و الأسود؟.. لما لم أعد أرى البحر كما كنت أراه.. بلونه الازرق بلون الرمال الذهبية.. بطيور النورس ذات اللون الأبيض ؟. قد مرت سنتان.. سنتان كاملتان على اخر مرة كنت أرى فيها كل الألوان.. و الآن أشعر أن كل شيئ سوداوي.. حتى غروب الشمس لم يعد المنظر المفضل.. قبل سنتين كان المنظر الذي أعشق التحديق فيه.. غرفتي مخيفة باللون الأسود و الأبيض.. صوري.. و كل شيئ.. لم تعد الحياة حياة.. قبل سنتين.. بعد الأزمة التي حدثت هنا تحديدا في يوم ممطر.. قد رأيتها برفقة أحدهم.. إنها هي التي كنت أراها زوجتي.. هل هذا هو السبب الذي جعلني أرى اللونين ؟.. هل فراقها عني جعل حياتي تعيسة لهذا الحد ؟.. لا يمكن إجابة الطبيب بأنني أرى هكذا بعد خيانتها لي.. بل أنهم قالوا أنني أرى بشكل طبيعي.. أمي كان حلمها أن ترى إبنها أباً.. لكني كنت ولدًا مطيعًا على الأقل.. أمي كانت تؤمن بأن أي شيئ إبتعد عني لم يكن خيراً لي.. لقد كانت ليلة كاملة أشكو لها.. “أمي لا أظن أنني سأحب أي شخص مثلما أحبكِ لكني أحببت التي خانتني..” ثم بعدها لم أعد أرى غروب الشمس بكل ألوانه.. بدأت أفقد الألوان تدريجيًا.. يوم فقدت فيه اللون الأحمر.. ثم اللون الأخضر.. مدة أيام و أيام.. حتى بدأت أزور الأطباء.. استسلمت في آخر الأمر.. لابأس سأتكيف مع الأمر.. ها أنا أعود لشاطئ مرقالة في يوم بارد أسترخي فوق الصخر أشاهد صائدي السمك.. و إذا بي أرى فتاة تتقدم إليّ.. بكوبين من القهوة.. إنها الفتاة التي أصادفها هنا كل مساء سبتٍ.. جلِست بجانبي “أراك تأتي إلى هنا كل سبت في نفس الوقت.. أدركت أنك تأتي لمشاهدة غروب الشمس والاستمتاع بصيد السمك.. لذا جلبت معي كوبا لك”.. وضعت القهوة أمامي.. شكرتها على ذلك.. أضافت لي قائلة “لا شكر مادمت ستجلب القهوة في السبت القادم..” تبمستُ أنا الآخر و تحدثنا معا.. كنت أود أن أشكو لها حالتي.. لكني تجنبت ذلك.. لم يتبقى الكثير على غروب الشمس.. حتى قالت ” أنا أعشق هذه الغيوم الحمراء إنها جميلة أليس كذلك..” أجبتها بدون أي تشويق “نعم.. إنها كذلك”.. بدون غير قصد سكِبت القهوة على يدي.. تأسّفَت على ذلك و بادرت تبحث عن منديل ورقي رغم أنني أخبرتها بأني بخير.. لكنها أصرّت بعدما إنتهت من ذلك.. شكرتها”.. شكراً.. شكراً جزيلاً لك.. شكراً لكِ.. لا أدري كيف سأشكركِ على هذا.. شكرًا جزيلا.. لقد ساعدتِني حقا..” ردّت عليّ ” كل هذا لأنني نظفت يدك؟ ” و إبتسمَت.. بضحكتها و بعيونها الصغيرتين اللتان تزداد انغلاقا عندما تبتسم.. و هنا قد عاد كل شيئ.. عادت الألوان عندما لامست يديها يدي.. و فعلت ما عجِز عن فعله الأطباء..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.