هاجر أحمد تكتب قارعة الطريق


في كُلِ صباح كتبتهُ كنت أكتب عن صباحٍ طَّل بعد ليلٍ عليل ، لكنه الآن صباحٌ جديد و فقط ،يبدأ مع أول نسمة برد و دعوةُ فَجّر و رشفةٌ من كأس شاي ..
على قارعة الطريق الذي أعتدتُ السير فيهِ وحيدًا ، كُشكٌ صغير لرجلٍ وضعت الحياة أوزارها على كاهليه فأنحني ظهره ، و أكل الشّيب رأسه ، و نخر الزمن عظامه فبَقِىٰ هزيلًا ، لكنهُ باسم الثغر رغم تلاشي أسنانه و لم تفقد بسمته الطيبة بريقُها ، دائمًا ما يهب لي بسكويتًا و لمحةُ أمل و بسمةُ رضا …أنت تعرفه ، لأنه هو أنت .
علمتُ بنبأ رحيلك الليلة ، هذا يجعلك سعيدًا بشكلٍ ما ..سأفتقد جلستُكَ جوار النافذة ، و نظرتُك الشاردة نحو السماء و التنهيدة التي تخرج من بين ثنايا جوارحُكَ بين إلتفاتةٌ و أُخرى ..و غمضةُ عينيك حين يُخيل لكَ أنك تحيا ، غير مصحوبٍ بوهن ..سأفتقدُك في أبيات درويش حين يقول ” هُنا عند مُنحَدَراتِ التلالِ ، أمام الغروبِ و فوَّهَة الوقتِ ، قُرب بساتين مقطوعةِ الظلِّ ، نفعلُ ما يفعلُ السُجناءُ ، و ما يفعلُ العاطلونَ عنِ العمل : نُرَبِّي الأَمَلْ “
لو أن لي نهرًا أستلقي جواره ، لا أسمع سوي جريان الماء الهادئ و عناق شجرة مع أخري و نقيق الضفادع ، كُنت لأكتب لك حنيني بشكلٍ أفضل ..لكنني أحيا بين أربعة جُدران عديمة الحياة ، أرنو لأول جدارين و أجلس بينهما لأبكي بصمت دون أية جلجلة أو حتى صوتُ هسيس . و خيالي وحدهُ يسرح ..
أكتشفتُ اليوم أن لك ولدين !
رجُلين كبيرين أظنهما بما يكفى ، أليس هذا صُنعك ! أين كان كلاهما ؟
على كُلٍ ربما هم أناسٌ طيبون ، لكنني لم أرحب بهم ، شعرتُ بشئ ما بداخلي يلقى عليهم لومًا أو عتابًا مُستترًا ، لقد أضناني أنهم لم يلبسوا جوارك ..و أنت تُعد حقائب السفر الأخير .
عزيزي ..أنه اللقاء الأبدي ، فلا تحمل للبُعد همًا فقريبًا نلحُق بك ، و قريبًا يموتُ الحنين و يَدفُن من يَحن ..
رحيلك لا يُعني أن لا أبوح لك ، لأخبرك عنه ..إنه رجل تعثرتُ بهِ مرة دون لقاء ، أربكني الحضور رُغم أنه مشوش ..و صُعق قلبي بشئٍ غريب ..
و شئ من الجلجلة يحدث بداخلي ، و أنت أعلمُ الناس أن لا شئ يُحدث بي جلبة مُنذ وقتٍ طويل ، باردة تمامًا بلا أي شعور ..شيئًا يُشبه الموت يسري بداخلي ، يلتهم مني أجزائي الأحب ، يبتلع دموعي و همساتي يُصيبني بما لا يُشبه البرد أبدًا ، بشئٍ من ضباب كئيب ، شئٌ من تِيّهٍ .. هو يُبدد هذا ، يقترب خطوة فيتضح الطريق ..أودُ الهرب ، لكنني مطمئنة ..هل أرحل و أنا أدري مشقة السير وحيدًا ، أم أسير في طريق أُدرك يقينًا أنني لا أُدرك فيه أي شئ كان أو يكون ؟!
تعلم يقينًا أنني سأفعل الثانية ، لطالما سَرقني جنوني من خوفي ، و أوقفني الخوف على حافة الهلاك ..
عزيزي ، هل تسكُن البيت الذي طالما حلمُتَ بهِ ،” بيتًا فوق سحابة يُطل على نجمة و تُحاكي رُفقاء السماء بصُحبة كأس شاي “
أعلم أنك سعيدًا ، و أنك دومًا كنت تتمني اللقاء ..عزيزي يا ساكن السماء المُطل على النجوم أنتَ الأمان الوحيد الذي عرفته هُنا .

  • هاجر أحمد .

1 Comment

  1. حلوة جدا جدا ومن احسن الكلام اللي قرأته عن الاشتياق لأغلى واهم الاشخاص فكرني بتيتا الله يرحمها اللي أصلا عمري مانسيتها ولا ينساها برافو عليك 👏👏👏

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.