قراءة نقدية لقصة (ثوب النشل) للقاصة البحرينية فاطمة النهام بقلم: الدكتور علي خميس الفردان


قراءة نقدية لقصة (ثوب النشل)
للقاصة البحرينية فاطمة النهام
بقلم: الدكتور علي خميس الفردان
سنعرض في هذه المقالة تحليلا بانورامياً موجزا لقصة (ثوب النشل) للكاتبة فاطمة النهام، وهي قاصّة وكاتبة مقالات تربوية واجتماعية واختصاصية ارشاد اجتماعي أولى بوزارة التربية والتعليم. صدر لها مجموعتان قصصيتان بعنوان (يوميات اخصائية اجتماعية) و(مقهى الموت) صدرت كلتاهما عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع بالمملكة الأردنية الهاشمية، عام ٢٠٢٠. كما شاركت بقصصها في عدد من المسابقات القصصية وحصدت مراكز متقدمة. نشرت هذه القصة ضمن مجموعتها مقهى الموت.
القصة واقعية اجتماعية، تستهدف البالغين. ومما يبرر اهتمام الكاتبة بهذا الموضوع. وظيفتها كمرشدة اجتماعية أولى، عايشت كثير من المشاكل الطلابية التي تفرزها العلاقات الزوجية والأسرية. ترمي القصة إلى إبراز وجه من وجوه الصراع الإجتماعي في حقبة سابقة من تاريخ البحرين، حيث يلجأ الأب لتزويج بناته من رجال يكبرونهم سناً، ودون رغبتهن ولا رضاهن، استجابة للظروف الإقتصادية الصعبة والحالة المعيشية الضيقة، والأعراف والتقاليد السائدة. وما يقع على الفتاة من ظلم وحيث من زيجة غير متكافئة في العمر ولا الرغبات. والصراع التي تخوضه الفتيات من أجل التحرر من هذه القيود والأغلال القاهرة.
عندما تشرع في قراءة القصة يستوقفك عنوانها “ثوب النشل” ليثير فيك كمتلقي عددا من الأسئلة والتوقعات، لما ترمز إليه هذه المفردة اللغوية من دلالات في المخيال الشعبي والتراث البحريني. فهو عنوان يستفز مشاعر الفرح عادة لارتباطه بأجمل حدث في حياة الفتاة وهو الزواج وليلة الدخلة. لكن القصة تصدمنا بدور هذا الثوب السلبي وصمته المطبق سجينا مقبوراً في

صندوق مبيت تحاصره المسامير من كل جانب. لقد خلق العنوان مقابلة بين حالتين وجدانيتين متناقضتين، حالة الشعور بالفرح الذين تستحضره هذه المفردة التراثية الفرايحية ، وحالة الحزن الذي آل إليه ذلك الثوب المحبوس في قبو الصندوق، وتعرضه للتمزيق والذرو في البحر لتأخذه الأمواج إلى المجهول.
قصة حبكت بعناية كبيرة. رسمت شخصيتين متباينتين حددتهما مجريات الأحداث تارة وبالوصف تارة.
الأولى، شخصية لولوة الفتاة (ذات البشرة البيضاء المتوردة، كحلاء العينين، طويلة الشعر، رشيقة القوام)، التي وقع عليها ظلم الظروف القاسية، وظلم أبوها، بصفعة لا تغتفر قيدتها خمسة عشر عاما من عمرها. رغم رفضها(لقد رفضت الزواج منه بإصرار..بكيت كثيراً، وأضربت عن الطعام) حتى انصاعت وخرست تحت عظم صفعة والدها (لكنها تتذكر جيداً صفعة والدها التي هوت على وجهها). ومع ذلك كرست حياتها لبيتها وزوجها وأولادها. متحملة كل المشاق والأعباء، تربي وتغسل وتطبخ وتطعم البهائم، وتقوم على خدمة زوجها الذي لا يقيم لها وزنا ولا تقديراً.
والثانية، شخصية مبارك الزوج الذي يعمل صباغاً (يتنقل بين بيوت الحي ليصبغ جدرانها ويقبض مالا زهيداً) رجل قاسي الطبع عصبي المزاج، لا يكن لزوجته ودّا ولا تقديراً رغم كل ما تقدمه له من تبجيل وخدمة وطاعة.
وبما أن الحبكة سلسلة من الأحداث، والحدث لا يتم إلا في ظرف الزمان والمكان:
فقد تم توظيف عنصر الزمن بحرفية. فلم تبع تسلسل الزمن الحقيقي الذي بدأ قبل خمسة عشر عاماً، مذ كانت لولوة فتاة في بيت أبيها، حين تقدم لها مبارك.
إنما استغرق زمن القص بضع ساعات من ذلك النهارالحار، هي الفترة من ظهيرة ذلك اليوم القائظ حين شرعت في غسل الملابس في فناء البيت، حتى توقفت أمام البحر وألقت بخرق الثوب المقطع فيه.
فيما بني الزمن السردي ليبدأ من الحاضر حيث (ظهيرة أحد الأيام الحارة)، ثم عاد بنا للماضي حيث كانت فتاة في بيت أبيها، ثم عاد للحاضر عندما قطع حبل أفكارها ابنها الصغير (يمَّه أنا يوعان).
ونلحظ هنا توظيف عدد من الزمن:

(الرسم للفنانة أمل خالد أمين)
  • تقنية الحذف، فقد غابت من السرد تلك الخمسة عشر عاما من زمن القصة عندما جاء على لسان الراوي: لقد تزوجته منذ خمسة عشر عاماً.
  • تقنية الزمن الاسترجاعي(الفلاش باك)، حين اعادتنا البطلة لأيام شبابها، وحالة والدها المادية وشعوره بثقل أخواتها الثمان على كاهله، فزوجها مكرهة من رجل يكبرها بعشرين عاما.
  • تقنية تبطئة الزمن، حين توقفت لولوة أمام المرآة واستغرقت في أفكارها، وقالت على لسان الراوي(منذ زمن طويل لم تستخدم الخنة أو ترتدي جلابية جديدة، أخذتها مشاغل البيت من أن تضع نقوش الحناء على كفيها أو ترسم الكحل بعينيها).
  • والجدير بالذكر أن أجواء القصة توحي بأنها تدور في العقد الخامس أو السادس من القرن العشرين. حيث الدلالات المكانية كالجليب الذي يتوسط البيت للاستنفاع من الماء، فهو من مشاهد ذلك الزمن، الذي لم يشهد آنذاك تمديد أنابيت المياه إلى البيوت. وكذلك من مفردة السقيفة في قول الراوي (بعدها خطت إلى سقيفتها). والسقيفة كانت معلم من معالم البيوت في ذلك الزمان من تاريخ البحرين، تستخدم كمطبخ ومكان لتناول الطعام.
    أما المكان فقد تنوعت فضاءاته في قصة ثوب النشل. بين فضاءات مغلقة وفضاءات مفتوحة. كان لها علاقة وثيقة بأحداث السرد.
    فمن الفضاءات المغلقة، فضاء المنزل، المكان الذي تسود فيه المودة في العلاقة الزوجية الأسرية الحميمية، وتتداول فيه المشاكل العائلية بعيداً عن أعين الناس. وفضاء السقيفة حيث يطبخ الطعام وتوضع السفرة ويفترض أن يتبادل الأزواج الأحاديث والنميمة المفضلة لديهم. وغرفة النوم المكان الأشد خصوصية وحميمية وشعوراً بالراحة النفسية، يتم فيه الهمس اللذيذ وتفريغ التوترات والإنفعالات. لكن القصة تأخذنا في تطورها لحقائق صادمة. فلم تجد لولوة الرأحة ولا الود والإحترام ولا الحميمية في أي من تلك الفضاءات. مع زوجها مبارك.
    كما نجد فضاءان مفتوحان، هما فضاء الحوش وفضاء البحر. وهما فضاءات جيدان للتأمل والتفكر ومزيد من الراحة والطمأنينة، إنما لولوة استخدمتهما لتتمكن من تنفيذ قرارها المتمرد الحاسم بعيداً مصدر الخوف، المتمثل في زوجها مبارك ، ففي الحوش قطعت بمقص كبير الذكرى الجميلة المتمثلة بثوب عرسها. ووضفت فضاء البحر وترامي الأفق لتعبر عن اتمام صفقة التحرر من قيود كبلتها خمسة عشر عاماً، من ذلك الزوج المتغطرس.
    تجلىت ثنائية الصراع الدرامي بين القوى المتضادة في ثلاث مواطن من الحبكة.
    صراع إرادة الرفض للزواج من رجل يكبرها بخمسة عشر عاماً، مقابل قوة القهر متمثلة في الأب المدفوع بقوة الظروف والمسنود بقوة العادات والتقاليد التي تبيح له أن يفعل ما يراه دون رادع. وقد توج هذا الصراع بصفعة من كف والدها، أوقعتها أرضا لتستسلم وتكابد العيش مع من لا تحبه طيلة خمسة عشر عاما. وصراع بين قوة الكبت والاستسلام من لولوة المهذبة الطيبة المجتهدة في بيتها، وقوة الهيمنة والتسلط من زوجها مبارك الصلف الذي لا يقيم لها وزنا ولا كرامة، تجلى ذلك في كل مواقف التهكم والإذلال التي قابلتها بطريقة سلبية غاندوية تمثلت في الصمت الخارجي والغليان الداخلي. فهو كل يوم (يطلي قلبها الواهن بعبارات قاسية)، (ويصم أذنيها بصوته المزعج الهادر) ويقفل الباب خلفه بعنف، ويضع سطلي الصبغ جانباً وهو يزفر، وإذا قالت حيا الله ابوعيسى… يرمقها بغلظة، يحدق اليها بسخرية. وكانت نتيجة هذا الصراع، سلبية مفرطة وتقبل الأمر الواقع خمسة عشر سنة. صراع لولوة مع ذاتها التي كانت طرفاً جوهريا في تكبد الهزائم. حيث ظهرت لولوة القوية الشجاعة الماكرة المخططة والقادرة على تغيير حالتها من الهزيمة إلى الإنتصار. فاستخدمت الحيلة والمكر الذي تتفنن فيه النساء. فأوحت لأطفالها أنها ستخم الحوش (يالله يمّه .. روحوا حجرتكم لعبوا .. أبي اخم الحوش). ولم تكتفِ بل تأكدت بأن أطفالها قد ذهبوا إلى حجرتهم.. هنا ترتفع وتيرة الصراع والمكر لصالح إرادتها، فدخلت غرفة نومها على أطراف أصابعها بخفة، وكأنها لصة. ثم هيأت لنفسها المبرر الكافي للقرار والفعل الذي عجزت سنوات طويلة عن اتخاذه (خاطبت نفسها.. منذ زمن طويل لم تستخدم الخنة، أو ترتدي جلابية جديدة.. أخذتها مشاغل البيت من أن تضع نقوش الحناء على كفيها، أو ترسم الكحل بعينيها) أكتمل المبرر وأصبحت جاهزة لاتخاذ القرار(خطت نحو سريرها بهدوء، وشخير زوجها لا يزال يتعالى، سحبت الصندوق.. سحبت الثوب خارجاً..جلست في الحوش، بعد أن أحضرت مقصا كبيراً، ثم شرعت بتقطيعه)..
    تم التمهيد للقصة بأربع لوحات سلطت الضوء على معاناة لولوة في بيتها بين غسيل وطبخ وتربية أطفال ورعاية بهائم وخدخة زوج. وتصاعد الحدث من منحيين أحدهما من الماضي حيث أجبرت على الزواج من رجل يكبرها بخمسة عشر عاما، وحاضر تمثل في استهتار وتهكم الزوج مبارك المستمر. حتى بلغت الحبكة ذروتها، وحانت لحظة التنوير حين لوح مبارك بنيته أن يحط على رأسها زوجة أخرى، كما حط صاحبه في العمل إمرأة على رأس زوجته حصه التي تعرفها جيداً. فحدث التحول. حين صممت على التحرر فمشت لغرفتها على رؤوس أصابعها كأنها لصة، اوستخرجت ثوبها من الصندوق وقطعته بالمقص. ثم هبط إيقاع القصة عندما توقفت عند البحر ونفضت جلابيتها، لتجد خرق ثوب النشل سبيلها إلى عرض البحر تسحبها أمواجه بعيداً.. ومنها طارت أدراج الرياح.
    المنظور في هذه القصة هو الراوي العليم المطلع على الخفايا في جميع أحداث القصة. فقد جاءت جميع الأفعال بضمير الغائب (جلست، شرعت، رشت، مسحت، أعتادت، تزوجته، ادركت، رفضت، بكت، تأكدت، نفضت… الخ). ما عدا موقفاً واحداً استخدمت فيه المنولوج وهوالحوار الداخلي مع النفس تمثل ذلك في قولها (وأخذت تتحدث في أعماقها: حسرة عليج يا خويتي.. رياييل ما لهم أمان! خذاج لحم ورماج عظم..ومب بعيد علي آنه نفس الحال).
    وبما أنه لكل شخصية منحنى بقيت شخصية مبارك على حالها تسير في خط مستقيم لم تتطور فلم يتحول عن حالة العصبية والتغطرس إلى حالة الرجل الودود الحنون مثلاً. إنما نجد أن شخصية لولوة مرت بتطورات أثر في تصاعد الأحداث. فهي الفتاة الطيبة الجميلة الوادعة بين ثمان أخوات، فتطورت إلى فتاة متمردة عندما حاول والدها تزويجها، (لقد رفضت الزواج منه بإصرار.. بكت كثيراً .. وأضربت عن الطعام). ثم تحولت إلى كائن مستسلم عندما تعرضت لصفعة والدها القوية، فراوحت مكانها خمسة عشر عاماً، ثم حدث التحول الأكبر بعد سماع لوح مبارك بالزواج عليها وخافت من ذات المصير.. فبدأت تتساءل: (ليش). ولم تكن قبل ذلك تسأل أو تحرك ساكناً. فحدث تغير في نفسها وعقلها وإرادتها، إلى أمرأة ذكية تخطط بمكر لتنفيذ أمر كان من المستحيل أن تفعله. حين صرفت أولادها ليلعبوا وتسللت على أطراف أصابعها واستخرجت الثوب وقطعته بمقص كبير. فشخصية لولوة تنامت في عدة تحولات تتناسب ومقتضيات تنامي الحبكة.
    ولان تنامي الأحداث وتطورها يحتاج إلى محفزات تنئ عنها وتشير إلى. فإننا نجد في ثنايا القصة عدد من التلميحات أو المحفزات التي تحفز المتلقي للإستمرار من أجل معرفة ماذا بعد.. منها: الأحوال الغريبة في بيئة الحدث مثل: إرتفاع درجة الحرارة (أحد الأيام الحارَّة)، ضخامة الأعباء (حوض ضخم)، الجهد الفائق (تارة تصب الماء القذر على الأرض، وتارة تخطو إلى الجليب)، توتر البيئة (الدجاجات تتقافز بجنون) فهي تعد مؤشراً على الصعوبات المقبلة. ومنها سلوك لولوة المتمرد وهي في بيت والدها(رفضت – أضربت عن الطعام) تنبئ بحالة نفسية لن تهدأ وأن جمراً يلتهب تحت الرماد. ومنها بعض أحوالها اللاشعورية التي تكشف عن الألم والمعاناة النفسية، مثل: (والعرق يتصبب من جبينها بغزارة – مسحت دموعها بكم جلابيتها). كذلك توترها الدائم الذي يظهر من أفعالها المتوترة مثل(تنفض، ترمي، بسرعة، انقبض) فهي مؤشرات على حالة من الغليان تعتمل في نفسها، وإن كانت غير واعية لها. وسلوك مبارك المتوتر العصبي مثل: (أقفل الباب خلفه بعنف – وهو يزفر- رمقها بغلظة)، تشي بسلوك غير سوي سيحدث بعد قليل.
    تحفل القصة بالكثير من الرمزيات وهومن أقوى اساليب السرد، يفتح مخيلة القارئ على أبواب التأويل مثل: رمزية ثوب النشل، للفرح المذبوح في ليلة عرس، الموؤود في قبره الخشبي منذ البداية خمسة عشر سنة من عمر لولوة. ورمزية الصندوق المبيت، لسجن الزوجية الذي كبلها ووأد أحلامها كما القبر. ورمزية المقص الكبير، لأداة المقاومة والتحرر والثورة وكسر القيود والإنعتاق. ورمزية الخروج من البيت للحرد والفرار من جحيم العبودية. ورمزية البحر والأمواج، لفضاء الحرية اللامحدود.
    كما تضمن النص تقنية التبئير وهو من أجمل التقنيات، التي تأخذ المتلقي برفقة الراوي للنظر من خلال عدسة زوم قريبة على تفاصيل أحداث صغيرة حيث تمارس الشخصيات فعلها، تجلى: جلسة لولوة اليومية في حوش بيتها تغسل الملابس، فقد جلسنا معها في الحوش وهي تضع الملابس في ذلك الحوض الضخم، وادرنا رؤسنا ذهاباً وإياباً من الحوض إلى الجليب والعكس، وحين تصب الماء وتنفض الغسيل. كذلك في سقيفتها وهي تحضر الطعام تدق الثوم وترمي في القدر وترش الخليط بالفلفل وتقلب فنشم أبخرة الطعام الشهية تملأ المكان وتعلق في ملابسها، وهي تمسح دموعها بكم جلابيتها. وعلى سفرة الغذاء، عند تحلق الأسرة حول السفرة. ولحظة وقوفها أمام المرأة والتأمل في حالها طوال تلك السنين. ولحظة دخولها غرفة النوم واستخراج الثوب من الصندوق. وساعة جلوسها في الحوش تقطع الثوب.
    وإلقصة كما تحتوي على حبكة فإنها تحتوي على خطاب، يتمثل في اللغة الشعرية الجميلة، ولا غنى لأحدهما عن الأخر، فقد احتوى النص على عدد من الصور الأساليب البلاغية الجميلة مثل: الكناية في (ثم يعود ليطلي قلبها الواهن بعبارات قاسية). والتشبيه في (كانت تتمنى أن .. يكون بلسماً شافياً). وفي (كنَّ ثقيلات على قلبه). وفي تشبيه الأنثى بالحمل الكبير (تعتبر الأنثى حملا كبيراً على كاهل الأب). وفي الكناية عن الخسارة الفادحة، في (دفنت شبابها وأحلامها معه). و(قطع حبل أفكارها ابنها الصغير). وفي الاستعارة الجميلة في التعبير عن ذهاب الخُرق مع الأمواج (طارت أدراج الرياح).وأساليب السخرية والتهكم التي جاءت على لسان مبارك: مثل أسلوب الأمر في رمقها قائلا: يالله .. بسرعة. والتهكم في (شنو ليش).
    لغة الحكي على لسان الراوي عربية فصيحة وسطى، فيما مزجت بالعامية في الحوارات الدائرة على لسان الشخصيتين لتضفي صورة واقعية محلية، وقد وفقت في ذلك إلى حد كبير.
    انتهت القصة نهاية مفتوحة، وإن كانت رمزيات تقطيع الثوب بالمقص الكبير والخروج من البثيت، ونثر نتف الثوب في البحر لتأخذها الأمواج، تشي بالإنفصال والخلاص والإنعتاق. لكن القصة لا تصرح بفكرة الإنفصال أو الهجر بشكل مباشر. وهذا اللون من النهايات جميل وممتع يترك مساحة للمتلقي ليرسم النهاية التي تروق له.
    الخلاصة
    اتسمت القصة بنبرة التعاطف قضايا المرأة التي تعاني من الظلم والقهر الإجتماعي الذي يجبر الفتاة على الزواج من شخص لا ترغبه، أو يكبرها سناً، وممارسات بعض الرجال التي تقلل من شأن المرأة.
    موضوع القصة قديم ومطروق كثيراً. كذلك المعالجة كلاسيكية. كأن بمقدور القاصة أن تعالجها بصورة تعكس واقع المرأة اليوم، فلم يعد هناك تزويج تحت الإكراه، بل لا تسمح بذلك القوانين.
    عالجت القاصة لحظة وقوف وتأمل لولوة في نفسها أمام المرآة على لسان الراوي عندما قالت: (وقفت لبرهة أمام المرآة، خاطبت نفسها: منذ زمن طويل لم تستخدم الخنة، أو ترتدي جلابية جديدة..الخ)، مما أضعف استخراج المكنون المخزون العاطفي الذي يضطرم في أعماقها. بينما لو استخدمت في هذه اللحظة الفارقة تقنية المنولوج بضمير المتكلم، ربما حققت قفزة أقوى بكثير.
    القصة تدور في ظهيرة أحد الأيام شديدة الحرارة. وفي ذلك الزمان الذي تدور فيه أحداث القصة تخزن النساء الماء في وعاء كبير ويضعنه في الظل ليبرد من أجل الاستحمام. بينما نجد لولوة تسأل زوجها الذي عاد للتو من الجو القائظ الشديد الحرارة: اصخن لك ماي تتسبح؟ سؤال لا يتناسب مع الواقع، ويشي بغفلة في صياغة هذا السؤال.
    القصة مكتملة العناصر بارزة الهدف والغاية، تحتوى مغزى ذا عائد اجتماعي، قدمت بأسلوب جميل يشد المتلقي لمعرفة ماذا بعد، وهو من أهم أسئلة نجاح الحبكة في القص.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.