إبراهيم جمال يكتب وجهة أخيرة


برأسي الصغيرِ لا أفكر إلا في طريقة الرحيل…. قال لي طيفٌ مر فجأة: “لِنُهاجرْ”؛ رأيتني أجمعُ ما استطعتُ من أشياءٍ في منتصفِ الليل وأخرجُ من قريتنا متسللًا وأهربُ من لا شيء إلى لا شيء.
في منتصف الطريق كانت الحقول نائمة، كأنّ الله يريدُ أن لا يشهدُ أحدٌ على قراري فلا يُثنيني عنه.
وقُرب حافةِ الطريق رأيتُ شخصًا تائهًا ومشردًا، أشار نحو النهرِ الساكنِ واختفى فجأة! رأيتني أهرول نحو الماء لأُلقيَ جسديَ النحيلَ فيه، وما معي من أمتعة،
لَمّا قفزت من أعلى الحاجز الحديدي، رأيتُ طائرًا ضخمًا يتلقفني فجأة ويرتفع نحو نجمةٍ وحيدةٍ في السماء قائلًا لي: “يجب أن تقتص منك أولًا”
وصلنا عندها فصفعتني لأهوي إلى الأرض؛
وفي السقوطِ اكتشافٌ دائمًا، فرأيت أنّ الحلَ يَكمُن في إلقاء جسدي من مكانٍ مرتفعٍ ليتكسرَ جسدي فور اصطدامه بالأرض، فأغمضت عيني منتظرًا لحظة الاصطدام.
على طينٍ لزج أَفقت، كانت الأرضُ تختمرُ بماء النيل فلم تكن صلبة كفايةً لأتكسر،
فاستندت إلى ما بقي لي من قوةٍ لأنهض.
وقُرب الطينِ كان سِرب نملٍ يَحتشِدُ لحَمل قطعةٍ من السكر، لكنّهم تفرّقوا فجأة بأوجهٍ مملوءةٍ بالحزن والانكسار عندما أَذاب الماءُ قوتَهم، واختفت قطعة كنزهم.
قلتُ لعل الحلَ يَكمُن هنا، أنْ أذوب أو أنصهر، فقررت إشعال النار في جسدي.
جمعتُ بعض الحطب، واجتهدت لأُشعلَ النارَ به بطريقةٍ بدائيةٍ كنتُ قد تعلمتُها من إحدى الوثائقيات، حتى عَلا لهيبُ النار.
وقفتُ داخل الحطب وأنا على استعدادٍ تام لمشهد ختامٍ أصير فيه قطعة لحم مَشوية أو مُفحمة.
غير أنّ مطرًا هطل فجأةً من سحابة منعت خُطتي، فانَزَويتُ تحت المطر أبكي!
قال لي طيفٌ مَرّ فجأةً: “أنت صادقٌ في رغبة الرحيل هذه المرة، فعُدْ إلى القرية وألقِ السلام مبتسمًا على الأحبة، لا تسرفُ في وداعهم، دَعْهم يظنون عودَتك الأسبوع القادم، امشِ بخطواتٍ فرحةٍ وهادئةٍ، وفي الثالثة عصرًا سيَمرُّ القطارُ الحديدي عبر قريةٍ مجاورةٍ؛ قِف أمامه بِزهوٍّ وفرحٍ وارحل معه إلى وجهةٍ أخيرة”.

وجهة_أخيرة

رحيلأبديهذه_المرة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.