إبراهيم جمال يكتب قصيدة لامرأة


“كتبتُ قصيدةً لامرأةٍ لقيتُها في خيالي الخِصْب بالأمس، فيها أعدتُ ترتيبَ أموري كلها، وأخفيتُ ما لٕحِق بي من هزائم وضعف، وأبى بيتُ الشعرِ إلا أن يبوحَ بسريّ… هكذا قال لي شاعرٌ صديق: “يا هذا! مأساةُ الشعرِ أنه يَحكي ما تظنُّك بارعًا في إخفائه”
وللمرأة التي رحلتْ بعدما ظنّتْ أنّني انهزمتُ.. الآن كتبتُ قصيدةً فيها حطمتُ تِمثال رُخامي رسمتْه بعينيها لِي، لبيتٍ جمعتْ أركانُه أحلامَها، لأسطورةٍ خلقتها… وأبى بيتُ الشعرِ إلا أن يحملَ مِعْوَلَه ويُكسِّر كلَ صنمٍ نحتته، ويرحل.
وقال بيتُ الشعرِ حينها: نحن غير مسئولين عن ما يعتقده الآخرون فينا، ولا عن ما نعتقده فينا، نحن فقط مسئولون عن اللحظة التي نعيشُها، نوثّقُها، نتمسكُ بها، عساها تخلقُ غدًا جميلًا، وتمحو ماضٍ أسوأ! وينسى الإنسانُ بطبعه ما في اللفظ من احتمالات، فيعتقدُ جمالَ الغد وقُربَه، ويتناسى احتمال الهزيمة فيه.
لذا تعمدت الآن أن أصوغ هزيمةَ الغد احتمالًا أكبر من انتصاري…
والآن أقولُ للمرأة التي لقيتُها بالأمس في خيالٍ خِصْب: رُبما تتشابكُ أقدارُنا، وإِنْ حدث؛ فما لي إلا محاولة الحرب، ولا أملكُ وعدًا بانتصاري.
وأقولُ للمرأةِ الراحلة: أنا السيء دومًا، فخففي وطأةَ الرحيلِ عنكِ، فرُبما قصتُنا المتقاطعةُ النجومِ، تبدأُ بكِ قصةً تليقُ وحسنَك الباهر.
وأقول لبيتِ الشعر الذي احتل مدينةَ عقلي: “الآن رُبما عليّ الخضوعُ لحكمك الأبدي”
لَمّا كتبت هذا في الصباح قالت لي صديقةٌ تسكنُ فِراشي: هل هذه هزيمة أخرى؟ هل هو اليأس يحتلُك مجددًا؟! هل ستنسحبُ الآن بعدما كَبّلتَني بعشقكَ الأبدي؟!
لم تكن عندي إجابة حقيقية وواضحة، لم أكن أعلمُ حقيقةَ مشاعري هذا الصباح… وددت لو أنني قلت لها إنه لا أحدَ مسئولٌ عن رؤى غيرِه وأحلامه، وحياته، وواقعه. وأننا فقط مسئولون عن مساحةٍ ضئيلةٍ تتشابكُ بها خُطانا، ورُبّما تتقاطعُ هذه المساحة بلا سبب، وبلا رغبة.
وودتُ لو أنّني قلت لها إنّه شيطانُ الكتابة، وإنّه احتلني بصورة من الوِحدة والتيه والضياع، وإنّه لا شيءَ حقيقي منها…
وددت لو أنني قبّلتُها، أو راقصتها بهدوءٍ قبل الرحيل.
وددت لو أنني لاعبتُ خُصلاتِ شعرِها بهدوءٍ لتُكملَ غفوتَها فتسقطُ في حُلُمٍ رائقٍ يبددُ وحشةَ واقعي السخيف.
لم يكن عندي إجابة سوى الصمت.
مددتُ يدي لكوب الشاي الذي أمامي، وشربته بهدوءٍ وصمت، وأكملتُ ما كنت أكتبُه.

قال قطبٌ من الأقطاب لمريدِه؟
يا فتى! الموتُ رفيقُ الهُيام الوحيد،
فاحذر من كلِ قصةٍ متقاطعةِ النجوم
والزم طريقةَ السادات، وزُهُد الأولياء، وبساطة العارفين.
لم يفهم بيتُ الشعرِ لماذا قطعته، وصِغتُ نصيحةً لفتى خيالي الحضور… ولم تفهم المرأة التي لقيتُها في خيالي الخَصْب ما أرمي إليه، ولم تهتمُ المرأة الراحلة بهزيمة أوردتِها بين قوةٍ واهيةٍ في الحديث.
فقط من فَطُن الأمرَ شاعرٌ تائهٌ كان يتمشى بأبياته في عقلي.
كان يقولُ في مِشيتِه المُتَرنِّحة: ألا لعنةُ الله على الشعرِ الذي يبوحُ بما نخفيه دومًا. ألا لعنةُ الله عليه”
استفزها صمتي وانغماسي فيما أكتب، قالت لي بلهجة غاضبة: سأرحلُ إذًا إن لم تتركْ هذه الأوراق وتنظر لي.
تركتُ أوراقي ونظرتُ إليها بفتورٍ لا أعرفُ له سببًا.
فاردفتْ قائلة: هل حقًا سينتهي الأمر هكذا؟! هل سيهزمُنا الفِراق؟! أما من أمل في انتصارنا؟!
وددتُ لو أنّني داعبتُها بابتسامة مطمئنة لأمحو ما حلّ بعقلها من صَخَب. أو لعلي لامستُ كفها لتهدأ ثورتُها الغاضبة.
غيرُ أنني ما فعلتُ سوى أن استغرقتُ في الكتابة من جديد.

قال عمودُ إنارةٍ لشارع صامت: أنا الذي أهَبُك الحياة.
فنظر له الشارعُ نظرةً مليئةً بالزُهُد والخبرة وقال له: وأنا الذي أهَبُك الوجود.
لم يفهم بيتُ الشعر لماذا أهربُ منه الآن، ولم تفهم المرأة التي خلقتُها بخيالي الخِصْب ما سرُّ هذا التَّمزُق والتشتت، ولم تفهم المرأة الراحلة لماذا رحلتُ عنها… ولم يفْطُنْ المريدُ نصيحةَ قُطْبِه، فانغمستْ روحُه في البحث عن سرِّ انقطاعِ قصته، وحده الذي فَطُن الأمرَ كان الشارعُ الصامت… قال لهم جميعًا: “التجرِبةُ هي روحُ الحياة، ووجودُها”
قالت صديقة الفِراش مستاءةً: هل أنا مَحْضُ تَجرِبةٍ جديدةٍ؟!
وددتُ لو أنني استطعتُ إمساك الزمن للحظةٍ أبديةٍ نكونُ فيها عالقين معًا، غير أنني قلتُ لها بعد شَربةِ شايٍ أخيرة: أنا لا أحدَ يُعوّلُ عليّ.
ولم أكمل حديثي بعدها، إذ إنني قد رأيتُ شبحًا يتراقصُ في قصةٍ جديدةٍ تريدُني حِياكةَ ردائِها بمزيدٍ من الأحرف، ولأن الكتابة كانت دائي، ومنقذي، كتبت على هذا الشبحِ حكمَ إعدامٍ، وألقيتُ بجسدي من فوق هرمِ الأفكارِ وسقطتُ صَريعًا… وسقطتْ امرأتان من رأسي، وحيواتٍ، وعوالمَ كثيرة.
وعُدتُ لنومي وحيدًا بعدما فَطِنتُ أنّ صديقة الفِراش كانت محضَ خيالٍ هي الأخرى، وأنني أقبعُ وحدي في هذه الغرفة منذ تشخيصٍ لأحدِ الأطباء أوصى فيه أنني مريضٌ بالذُّهان العقلي. وأنّ هذه الأحداثِ التي أظنُّها حقيقيةً هي في الحقيقةِ خيالٌ أُجسده وأحياه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.