نهاد كراره تكتب:  مراجعة  لرواية “يوتوبيا” لدكتور أحمد خالد توفيق



نهاد كراره تكتب:  مراجعة  لرواية “يوتوبيا” لدكتور أحمد خالد توفيق
رواية صغيرة لكنّها تحوي عالمًا كاملًا من القسوة والتعجب،
مزيجًا من القهر والخوف والعظمة الانحدار.

تنبأ داخلها د. أحمد خالد توفيق بأحداث شتى، تنبأ بارتفاع الدولار ل(31) جنيهًا. وتوقعاتٌ كثيرة بدأت تحدث
فهل نحن فعليًّا ننحدر نحو يوتوبيا؟!
وهل بدأنا بالفعل تكوين عالمين وشعبين؟

يروي لنا الكاتب عن عالمين بعد زيادة الفقر و المرض فصنع الأغنياء مدينةً لهم مُحاطة بأسوار ومتاريس وضباط المارينز،وتركوا الفقراء يأكلُهم المرضُ والفقرُ والحاجة، يُعانون من عدم العثور على قوت يومهم، مُجرّد مكانٍ نظيفٍ لقضاء الحاجة أصبح شيئًا مستحيلًا، الدرن تَفشّى والموت،  بَيعُ النساءِ لأجسادهن المتهالكة من الأساس صار مهنةً يتقبلُها مجتمعُ الفقراء،
أي شيءٍ يأتي بالنقود مباحٌ؛ فلا أحدَ يَجدُ كسرةَ خبزٍ سوى إن عمل عملًا ما، أي عملٍ مهما كان قُبحُه أو لا إنسانيته،
حتى الكلاب في الطرقات قلَّت، فصار وجودُها والعثور عليها صعبًا بعد أن أكلها الفقراء وأكلوا أي شيءٍ يتحرك،
كما أنّ الأغنياءَ يستخدمونهم عند الحاجة لخدمتهم في الأعمال المُتدَنيّة،
مع محاولةِ تقليلِ نسلهِم عن طريق الإخصاء لفترة ثم التوقف عن هذه العمليات وترك الزيوت الملوثة والأكل الملوث لمُهمّةِ التعقيم، ورغم ذلك يتكاثرون بنسبةٍ كبيرة، 

أما اليوتوبيا حيث ينعمُ الجميعُ بكل شيء حتى المُخدِرات، والتي وجدوا لها أنواعًا جديدةً متوفرةً لديهم، بل إنّ أولادَ الأغنياء يستخدمونها للتسلية كل ليلة، تُلامسُ المِعصَمَ فيتيهون في النيران الزرقاء، يصيبُهم مرضٌ وحيدٌ قاتلٌ هو “الملل”.
العلاقاتُ المُحرّمة صارت أيضًا شيئًا عاديًّا للشباب والكبار، كلُ شيءٍ متاحٌ ومباح، حتى إنّهم ينظرون لِمَن هم خارج “يوتوبيا” على أنهم خِرافٌ وليسوا ببشر، يلعبون لعبةَ المطاردة والفريسة والصياد، يصطادون الخِراف ويقطعون اليدَ محتفظين بها بعد تَحنيطِها علامةً على القوة والسُلطة والرجولة، ويلعبون تلك اللعبة لمحاربة الوحش الوحيد الذي لا يستطيع المال والسلطة إيقافه “وحش الملل”،

تمت تقسيم المدينة الجديدية يوتوبيا لأملاك فهذا ملك الدواء محتكر كل الأدوية وذاك ملك الإتصالات وهكذا ولايخرج خارج يوتوبيا أي من ذلك للفقراء لإرتفاع قيمته ولعدم اعتراف من هم بالداخل بمن هم خارجها،

نبدأ الرواية الحقيقية حينما يقرر ابن ملك الدواء بخوض تَجرِبة الصيدِ مع حبيبته المفضلة، حيث إنّ له العديد من الحبيبات، وكلما حَمَلَتْ إحداهن قاموا بإجهاضها دون أي تأثر أو ندم!
لكنّ والدَه يرفضُ خوفًا على وَرِيثِه الوحيد من أن تنقلب عليه اللعبة ويموت، كما أنهم خائفون من الثورات الصغيرة التي تحدث في وقتها، لكنّ الابن يقررُ فعلها بمفرده، وحينها نكتشفُ أنّ المالَ جَرّده من إنسانيته، حتى إنّه لم يحمِل الجميلَ لمن حَماه و رعاه فغدر به.

وفي النهاية نرى التمردَ والثورةَ من خارج يوتوبيا عليها، وانتشار رائخة كريهة ربما اسقاطا على رائحة الفقر أو ربما هو اسقاطا على عفونة قلب اليوتوبيا نفسه،
لكن الكاتب -رحمه الله- ترك لنا النهاية مفتوحة، يثور الفقير ويقابله الغني بطلقات الرصاص،
هل سيستطيعُ الفقرُ التمردَ على طلقاتِ الرصاصِ والفوزَ أم ستعودُ حصونُ يوتوبيا أقوى ويموت الفقراء قهرًا.

  – السرد:
مُشوِّق يخلوا من الملل والتطويل بجمل وكلمات مناسبة للحدث والمكان.

– الأشخاص: 
جعل الكاتب شخصيتين رئيسيتين في الرواية أحدهما مرآة الآخر،
لكن من عالمين مختلفين أحدهما عالم “اليوتوبيا” والآخر عالم “الفقراء”
الاثنين يحبون القراءةَ والاطلاع، ونرى الفقيرَ وما حدث له من اعتداءٍ وفقدِه لعينه وعدم مقدرتِه على الاحتفاظ بحبيبته أو المحافظةِ عليها، وحمايته لأخته وإنسانيته رغم الفقر والمهانة، فلم يُرِد الاعتداءَ على حبيبة ساكن يوتوبيا، حيث لم يرَ في وجهها سوى وجه أخته،
والشخصية الأخرى القارىء أيضًا لكنه من يوتوبيا والذي خان من حَماه واغتصب أخته، وقتل مَنْ ساعده في لمحةٍ لتجرُّدِ الإنسانيةِ والقيمِ جميعها،
فهل يفعل المال ذلك ليُكملَ مثلثًا من المال والسلطة والقُبح
هل ننحدر ليوتوبيا؟! 

رواية من روعتها لن تتركها سوى حين تُنهيها.
رحمة الله عليه د. أحمد خالد توفيق،
أجاد رسم الشخصيات والحوادث جيدا،  جعلنا نخشى الوصول الفعلي لتلك المرحلة،
جمله منمقة تناسب الحدث والشخوص والمكان، أحاد وصف كل تفاصيل العالمين ورسم الشخوص جيدا،  كما وصف الحانب النفسي لكل شخصية جيدا

اقتباسات
*قلت لها إن الناس يجب ألا تتزوج إلا لكي تأتي للعالم بمن هو أفضل… طفل أجمل منك، أغنى منك، أقوى منك.
ما جدوى أن يتزوّج الشّقاء من التّعاسة؟ الهباب من الطّين؟
ما الجديد الّذي سنقدّمه للعالم سوى المزيد من البؤس
**
ـ «كان هذا عندما ابتعتم كل الآثار المصرية؟». ـ «نعـم .. لـم يكـن لـدى المصريين مـا يباع سـوى الماضي وقد اشتريناه، ودفعنا ثمنه بالبايرول الذي احتكرته يوتوبيا والمجتمعات المماثلة.. عـقـد لـمـدة خمسين سنة يكفل لكـم البايـرول اللازم للحياة.. كيف تحسب سياراتكم وطائراتكم هـذه تتحرك؟… كل السيارات والطائرات تتحرك بالبايرول منذ عشرة أعوام.. السيارات تعمل به!» . والمحركات التي تتحرك بالبترول قـد انتهى عهدهـا أو كاد.. لقد صار البترول رخيصا كالماء،
**
إن القراءة بالنسبة لي نوع رخيص من المخدرات. لا أفعل بها شيئاً سوى الغياب عن الوعي. في الماضي -تصور هذا- كانوا يقرءون من أجل إكتساب الوعي ! ..
**
يمكن أن يتحمل المرء الحياة بلا مأوى..بلا مأكل..بلا سقف..بلا أصدقاء…لكنه لا يتحمل الحياة بلا أحلام
منذ طفولتي لم أجرب العيش بلا أحلام ..
أن تنتظر شيئًا .. أن تُحرم من شيء .. أن تغلق عينيك ليلًا وأنت تأمل في شيء .. أن تتلقى وعدًا بشيء
**
أذكر أن الأمور كانت تسوء بلا انقطاع.. وفي كل مرة كان الفارق بين الوضع أمس واليوم طفيفاً، لذا يغمض المرء عينه كل ليلة وهو يغمغم: أهي عيشة .. مازالت الحياة ممكنة .. مازال بوسعك أن تجد الطعام والمأوي وبعض العلاج .. إذن فليكن غد .. ثم تصحو ذات يوم لتدرك أن الحياة مستحيلة، وأنك عاجز عن الظفر بقوت غد أو مأواه ..
متي حدث هذا ؟… تسأل نفسك فلا تظفر بإجابة
**
عندما تشم رائحة الدخان ولا تنذر من حولك فأنت بشكل ما ساهمت في اشعال الحريق

#قرأت_لك
#كتاب_و_رأي

1 Comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.