قراءة في رواية (أبلسة إنسية- الفتنة العظمى) للكاتبة إنجي مطاوعبقلم/ دعاء البطراوي


#خاص_بمختبر_سرديات_دمياط
***أبلسة إنسية أم أبلسة الإنسانية***
قراءة في رواية (أبلسة إنسية- الفتنة العظمى) للكاتبة إنجي مطاوع
بقلم/ دعاء البطراوي



   يقول ميلان كونديرا “الروايات تمنحنا فرصة للهروب الخيالي وتقتلعنا من حياة لم تكن تمنحنا أي إحساس بالرضا” ومن هذ المنطلق نستطيع أن نلج عالم تلك الرواية التي هرب فيها البطل من واقعه الأليم لواقع أكثر بؤسا، تبدأ الكاتبة روايتها بالحدث الرئيسي وهو مقتل والد روبير وأخيه، مما جعل روبير يقطع مهمته الصحفية ليسافر إلى بلدته ليبحث عمن قتلهما، ومن خلال الأحداث تقدم الكاتبة الخلفية النفسية والأخلاقية للبطل الرئيسي “روبير” بطريقة الفلاش باك.. فهو ناقم على حياته كاره للآخرين.. غاضب من أهله خصوصا والده، فالأسرة دائما ما تعاقبه على شقاوته المفرطة وأفعاله المشاغبة والتي يرى أنه لم يغرسها بداخله، إنما وُلد بها، لذا فنظراته دائما تحمل الازدراء والسخط نحو أقاربه وأقرانه الذين يلقبونه بالشاذ أو الضال أو البغيض، مما أجج النار داخله فانصرف عنهم بروحه وعقله، وأصبح شريدا في عالم يخصه وحده، تتلقفه العقد النفسية يمينا ويسارا، فهو يعاني من التخبط الشديد منذ نعومة أظافره، حتى إنه دخل في تحدٍ مع زملائه بإحضار عظمة من داخل قبر، هو بالطبع تحديا مخيفا ومهيبا بالنسبة لطفل صغير في الثامنة من عمره، ورغم الخوف الذي شمله لكنه خشي أن يفقد هيبته وسط أقرانه، خاف أن يصبح أضحوكتهم أو يتم استضعافه فيما بعد، وبالفعل نفذ التحدي واستشعر قوة غامضة بنفسه، وخرج على أصدقائه ممسكا بالعظمة المطلوبة،
 قائلا في شموخ:
_ أنا روبير العظيم.. لا تقدر علي العفاريت أو أية أرواح.
  وبذلك أعطتنا الكاتبة المبررات المنطقية كي يصبح روبير تربة خصبة لتصادقه الشياطين وتتخذ منه شيطانا من الإنس، وهذا ما جاء على لسان وزير مملكة الشياطين “بقري” بأن الشيطانة “نوريدينما” استطاعت اختراق حجابه الضعيف بسبب صغر سنه واستغلت عناده وتمرده على الأوضاع المحيطة فساعدته على نبذ من حوله وتسريب الشكوك حول الرب والحياة والوجود فأصبح ينهل من بحر المتعة مهما كانت هذه المتعة، فتنقل من الفتيات العذراوات إلى السيدات المتزوجات لا هم له إلا متعته الشخصية فقط، وتتوالى أحداث الرواية بتواصل روبير مع الشيخ عزيز الدجال والمشعوذ المحترف، أراد منه أن يتواصل مع عوالم العالم السفلي لمعرفة من قتل أباه وأخاه، ومن الذي أذى أخته دميانة المصابة بالصرع، خصوصا وأن الشكوك تشير للعم موريس الذي يطمع في زيادة رقعة الأرض، فكانت الفرصة الذهبية للشيخ عزيز، ليقترب أكثر من روبير، خصوصا إنه يحب دميانة وتقدم لها ولكنه قوبل بالرفض من والدها لعدة أسباب أولها أنه مسلم ودميانة مسيحية، وبذلك رأى الشيخ عزيز أن حلمه شارف على التحقيق، لذا عقد مع روبير صفقة أن يصنع سحر (سلب الإرادة) للعم موريس في مقابل الزواج بدميانة.


شخصيات الرواية/ 
   يمكننا أن نرى بوضوح أن عناصر الشر جاءت جميعها من الأبطال الرجال بداية من روبير وأبيه والشيخ عزيز ومساعده أبو مسعود وكذلك الشياطين الملك ميردوخ والوزير بقري … ) 
 جاء روبير كالشيطان الأعظم بالرواية، جاء أنانيا قاسيا  تبدو عقدة التملك وجنون العظمة واضحة للعين المجردة، حتى إن سعيه للثأر ممن قتل أباه وأخاه كان سعيا لمعرفة من تجرأ عليه وفعل فعلته تلك وليس بسبب حزنه على والده وأخيه بقوله في صفحة ٢٣٣ محدثا  والده في حلم من أحلامه العجائبية : ” لا أبحث عن الانتقام من أجل عينيك.. أبحث لأعاقب من تجرأ علي أنا.. أنا روبير رغما عن الجميع.. بكل ما أملك من قدرات ومهارات في التواصل مع الأرواح الشيطانية.. يستهين القاتل بإمكاناتي.. لذا سأجعله يدفع الثمن مضاعفا” 

وتتكشف صفة جديدة لروبير وهي ساديته المفرطة حين قام بقتل خمس أرواح دفعة واحدة ليقوم بطقوسه الشيطانية على نجمة خماسية، فقد قتل زوجة عمه وابنتيها، ثم قتل الشيخ عزيز، يبتسم وهو يقلب نظره بين ضحاياه ببرود، يشعر وكأنه أرض جرداء عطشى منذ قرون، يتشمم رائحة الدماء، يغمض عينيه وهو يحرك لسانه داخل فمه في سعادة.
وجاءت الطامة الكبرى بقتله أخته دميانة، في مشهد تشمئز منه القلوب، فحتى حين وجدها حية تتنفس بصعوبة لم يرحمها، وإنما غرس السكين بصدرها لينزع قلبها، حتى لا يترك أثرا أو شهودا خلفه.
***لكن جاءت لحظة الاستفاقة بشكل مباغت من النقيض إلى النقيض تماما، وكأن البطل انتبه فجأة بوجود الخير والشر، كان التحول غير ممهد، وبدا وكأن هناك حلقة مفقودة!
  جاء الشيطان كورين بصبغة إنسانية، فهو الشيطان اللطيف والحكيم، هو ربما أقرب للصفات الإنسانية من روبير بطل الرواية الرئيسي، فقد رفض إيذاء صديقه روبير بعد أن تولى مهمته خلفا للشيطانة نوريدينما.. رغم أن هذا سينهي حياته، كذلك لا يتورع كورين طوال الرواية بإلقاء الحكم والنصائح حتى أنه سأل روبير في صفحة ٢٨٢ قائلا “هل تظن أنه يمكنك أن تكون مؤمنا حقيقيا برب النور خالق الأكوان وتسير معنا خلف إبليس؟!” ثم يستطرد في الصفحة التالية صفحة ٢٨٣ محدثا روبير ” أنت مجرد شخص خانع لرغباتك.. لا تصلي .. لا تصوم.. لا تذكر من تقول إنه ربك.. تقضي الليل سكران غير مبالٍ بغيرك” 
  بدت هذه المواعظ بشكل غير منطقي أمام شيطان كما أطلقت الكاتبة عليه، ومن المعروف أن الجن كما البشر منهم الصالحون ومنهم الطالحون، والمتمردون من الجن يطلق عليهم شياطين، فهم المردة الأشرار، وليسوا مثل الشيطان كورين الذي بدا حنونا ولطيفا وحكيما في الوقت ذاته!
   أما بالنسبة للشيخ عزيز… فقد جاء رسم الشخصية بشكل مؤثر وملائم تماما، فهو الذي يحرك الشخصيات منذ البداية، مفاتيح اللعبة كلها بيده، شيطان كبير من الإنس، الأدهى من ذلك أن الناس تطلق عليه “الشيخ عزيز” متبركين.. لا يعرفون أنه محتالا كبيرا، فهو الذي صنع سحرا للعم موريس ليقوم بقتل الأب وابنه، كما إنه السبب الرئيسي في إصابة دميانة بالصرع حتى لا يتزوجها غيره، لذا جاءت نهايته منطقية للغاية ومحققة للمقولة الشعبية:《انقلب السحر على الساحر》
  أما العناصر النسائية فجاءت محدودة للغاية بداية بشيطانة الصغر نوريدينما ومورين حبيبة كورين.
   أما دميانة فتمثل عنصر الخير الوحيد بالرواية فهي ربما الضحية الحقيقية في القصة برمتها، استغلها أخوها روبير ليتصل بالعوالم السفلية بصفقة مع الشيخ عزيز، وحين أصابها الصرع.. شعرت زوجة العم بالارتياح لإن العرسان لن يتوافدوا على الأبواب لخطبتها، خصوصا أنها ذات جمال ملفت مقارنة ببنات عمها موريس.
 لغة الكاتبة
   لا نستطيع أن نغفل لغة الكاتبة إنجي مطاوع في هذا العمل الذي يقارب على الثلاثمائة صفحة، فقد استخدمت الفصحى سردا وحوارا، والتزمت بقواعد النحو السليمة طوال الرواية إلا من بعض الهنات البسيطة التي لا يخلو منها أي كتاب، استخدمت الكاتبة كذلك الديالوج بين الشخصيات، فكان مناسبا لقطع حدة السرد الداخلي والتعامل مع اللغة بشكل انسيابي وسريع، لكن الكاتبة استخدمت بعض الكلمات في غير موضعها أو كلمات غير مناسبة للموقف  مثل:
في صفحة ١٣ 《أخفت وجهها بشالها الأسود كأنما لدغها عقرب》 جاء الوصف بعيدا عن المعنى الحقيقي للجملة الذي يشي بحب وحياء الفتاة تجاه حبيبها 
وفي صفحة  ٢٣٠ 《تلتهم السعادة وجهه》 جاء لفظ الالتهام قاسيا وحادا وغير ملائم مع مفردة السعادة 

  نسجت الكاتبة مشهدية عالية في الرواية خصوصا المشاهد التي جاءت بأحلام روبير، ففي صفحة ٢٢٢ تصف الكاتبة حلما من أحلام البطل《 يمتطي فرسا عربيا أسود كما ليل غضب فيه القمر على الأرض.. وقرر التنحي》 وفي صفحة ٢٢٤《التوجس يخربش جدار قلبه》 أجادت الكاتبة التعبير بلفظ “يخربش ” لتوحي أن الخوف لم يتملك قلب روبير، هو فقط ناوشه بشكل طفيف، ربما يكون مؤلما ولكنه ليس مميتا ولا مفزعا. 
جاء عنوان الرواية (أبلسة إنسية)، وبالرجوع للمعجم الوسيط نجد أن كلمة “إنسية” هي تأنيث كلمة “إنسي”، فيما لم نجد أي إنسية قد تأبلست بالرواية، فالإنسية الوحيدة الرئيسية بالرواية هي دميانة وهي التي تمثل عنصر الخير.
  من ضمن الأفكار التي ناقشتها الكاتبة بالرواية ، هي أن رؤيتنا للحق والخير والأخلاق تختلف من شخص لآخر، فهناك من يراها رمزا للمثالية والملائكية الجميلة، وهناك من يراها صفات معوقة للتقدم، وهذا ما رآه البطل روبير متحدثا عن الملائكة بأنهم ضعفاء وخانعين ومجرد تابعين، وهي أفكار تتشابه كثيرا مع أفكار الفيلسوف الألماني فريدرك نيتشة  والذي يحتار الكثيرون في تصنيفه كفيلسوف عظيم أو كمفكر منحرف، لأن له أفكار غريبة عن المعايير الأخلاقية المعروفة؛ فيرى نيتشة أن الحب والأخلاق والدين أعاقوا الإنسان في الارتقاء بنفسه، وكان يؤمن بفكرة الأمة الشاملة حيث لا مكان فيها للضعفاء والأغبياء والحثالة، لذلك تبنى فكرة الحرب بين الأقوياء والضعفاء، وفيها يتم التخلص من الضعفاء نهائيا لتسود القوة العالم، وهي الأفكار التي آمن بها البطل روبير أيضا.


  في النهاية نشكر الكاتبة  إنجي مطاوع على مجهودها في استخلاص أفكارها… خصوصا أنها مخاطرة كبيرة أن يقوم كاتب بالولوج لموضوع شائك مثل عالم السحر والشعوذة والعوالم السفلية.

تمت/
السبت/  ٥ نوفمبر ٢٠٢٢

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.